فعليك بحسم مواد نفسك عنك جملة، واتهامها في كل الأحوال اقتداء بالكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام في قوله: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
{إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [سورة يوسف: 53] .
ومن حسن نظر يوسف عليه السلام أنه اتهم نفسه، وأعرض عن ذكر الشيطان، وهو المسُول من حيث إن المقام مقام هضم النفس وعدم تزكيتها، وقال: {مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} [سورة يوسف: 100] ، فنزَّه إخوته عن نسبَة ما فعلوه به إليهم على وجه الحقيقة، بل إلى نزغ الشيطان مبالغة في التلطف بأبيه والعفو عنهم، وإقامة العذر لهم مع ما في ذلك من الإشارة إلى قول أبيه عليهما السلام: {قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) } [سورة يوسف: 5] ؛ كأنه موافق لأبيه في إقامة عذر إخوته في الجملة، وفي ذلك من كرم النفس ما لا يخفى.
وأنت أحق باتهام نفسك والنظر إلى عذر أخيك، فمهما رأيت لها هوى في شيء فإن وافق العلم فاتبعه من ناحية العبودية والامتثال لأمر الله تعالى وإظهار حكمته، لا من حيث إنه هوى وشهوة، وإن خالف العلم فاحذره؛ فإنه محل فرصة الشيطان واغتياله.
ثم ليكن من المقرر عندك أن الشيطان عدو محقق العداوة، شديد الحرص على اغتيالك، فينظر منك مثل هذه الفرصة، فيكون ذلك حامياً لك من كيده، كافياً لك من شره.
وليكن حذرك من الشيطان في حال طاعتك لله أكثر من حذرك منه في حال معصيتك، فقد قال بعض الحكماء: إن الشيطان يأتي ابن آدم من قبل المعاصي، فإن امتنع أتاه من وجه النصيحة حتى يلقيه في بدعة، فإن
أبى أمره بالتحرج والشدة حتى يحرِّم ما ليس بحرام، فإن أبى شكك في وضوئه وصلاته حتى يخرج عن العلم، فإن أبى خفَّفَ عليه أعمال البر حتى يراه الناس صابراً عفيفًا فَيميل قلبه إليهم، ويعجب بنفسه، وبه يهلكه، وعنده يشتد لَجاجه؛ فإنه آخر درجه، ويعلم أنه لو جاوزه أفلت منه إلى الجنة. نقله حجة الإسلام في"الإحياء".