وحاصلها لا يرجع إلى تحريم شيء من المباحات، بل إلى استحباب الاقتصاد والاقتصار على ما يجزئ العبد في قطع المسافة الدنيوية، والمسير إلى الله تعالى.
ولا سبيل في تحريم شيء من المباحات والمنع منها لئلا تتعطل حكمة خلقها للعباد المشار إليه بقوله تعالى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [سورة البقرة: 29] .
وإنما المقصود استعمالها على قوانين الشرع، والتأدب فيها بالآداب المطلوبة لتكون من المُوصلات إلى الله تعالى لا من القاطعات عنه، وإنما تكون قاطعة عن الله تعالى إذا أخذت بمقتضى الشهوة والهوى، لا بمقتضى الشرع والتقى؛ فافهم!
فَصْلٌ
ولما كان للشيطان مداخل كثيرة على الإنسان عَجِبَتِ الملائكةُ الكرام ممن ينجو من الشيطان كما روى عبد الله ابن الإمام أحمد عن عبد العزيز بن رفيع رحمه الله تعالى قال: إذا عرج بروح المؤمن إلى السماء قالت الملائكة عليهم السلام: سبحان الذي نجى هذا العبد من الشيطان، يا ويحه كيف نجا!
وقد علمت أنه لا مدخل للشيطان على الإنسان إلا من قبل نفسه.
وفي حديث أنس رضي الله تعالى عنه:"الْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ حَذِرٌ". رواه القضاعي.
ومن كياسته أن يعلم أن النفس تميل إلى الشهوات، وأنَّ النار
محفوفة بالشهوات، فيحاسب نفسه على كل شهوة تضره في الآخرة، فيدعها ويقلع عنها كما قال - صلى الله عليه وسلم:"الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ - أَيْ: حَاسَبَهَا - وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ".
وكل شهوة تؤذي صاحبها بعد الموت فهي مدخل للشيطان إلى الإنسان؛ إذ مقصوده من كل أحد أن يكدّر عليه آخرته، ويبعده من رحمه الله تعالى عند الموت، كما أبلس هو منه، ولسان حاله يقول: كما عثرثني عثر جميع خلقك، ولا يليق هذا إلا به وبمن كان على طريقه.
وأما المؤمن فإنه يحب للناس ما يحب لنفسه، فمن غلب شهوته، ولم تبالغ نفسه فيها فقد سدَّ عنه مداخل الشيطان، فقد صار عنه الشيطان مطروداً.
وروى أبو نعيم عن وُهَيب رحمه الله تعالى أنه قال: من جعل شهوته تحت قدمه فزع الشيطان من ظله، ومن غلب حلمُه هواه فذلك العالم الغلاب.