فإن قلت: فقد ذكر الله تعالى في الآية من زينة الدنيا منكوحاتها، ومركوباتها، ومطعوماتها، ثم قال: {ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [سورة آل عمران: 14] ، فما له لم يذكر ملبوساتها ومفروشاتها مع أنها من متاع الحياة الدنيا؟
قلت: بل هي مذكورة في الآية لأنها إما من جلود الأنعام
وشعورها، وقد اشتملت عليها الأنعام.
وإمَّا من النباتات وهي داخلة في الحرث؛ لأن القطن والكتان من النبات.
وأما الحرير فإنه - وإن كان من دود القَز - فإنه إنما يتعيش من ورق التوت، وهو من النبات.
وقد نص على ذم المتعلق باللبس والفراش النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في قوله في الحديث السابق:"تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيْصَةِ".
وفي"الصحيحين"عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام يصلي في خميصة ذات أعلام، فنظر إلى علمها، فلما قضى صلاته قال: اذهبُوْا بِهَذهِ الْخَمِيْصَةِ إِلَى أَبِي جَهْم بنِ حُذَيْفَةَ، وَائتوْنِي بِأَنْبِجَانِيَتِهِ؛ فَإِنَّهَا ألهَتْنِيْ آنِفًا عَنْ صَلاتِي"."
وفي لفظ:"شَغَلَتْنِيْ أَعْلامُ هَذِهِ".
وفي رواية:"كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَلَمِهَا وَأَنَا فِيْ الصَّلاةِ فأَخَافُ أَنْ تَفْتِنِّي".
وروى البخاري عن عقبة بن عامر]، رضي الله تعالى عنه قال: أهدي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فرُّوج حرير، فلبسه فصلى فيه، ثم انصرف فنزعه نزعا شديداً كالكاره له، وقال:"لا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِيْنَ".
والفروج - بالفتح: كساء فيه شق من خلفه، وكان هذا قبل تحريم الحرير؛ فإنما نزعه مع أنه كان مباحاً لأنه من الزينة المُلهية عن الصلاة كما ترك الخميصة، وآثر بها أبا جهم، واستبدل بها أنبجانيته، وقد روي بفتح الهمزة وكسرها؛ يقال: ثوب أنبجاني، ومنبجاني - بفتح الباء الموحدة فيهما: نسبة إلى منبج كمجلس: موضع بالشام على غير قياس، وهو كساء أسود غليظ.
وسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - والسلف في الطعام واللباس وغيرهما معروفةٌ في كتب الحديث.