بدليل قوله: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [سورة الأعراف: 169] .
سئل ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - عن هذه الآية قال: أقوام يقبلون على الدنيا يتأكلونها، ويتبعون رخص القرآن، ويقولون: سيغفر لنا، ولا يعرض لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه، وقالوا: سيغفر لنا. رواه أبو الشيخ.
وروى هو عن أبي الجَلْد رضي الله تعالى عنه قال: يأتي على الناس زمان تخرب صدورهم من القرآن، وتتهافت وتبلى كما تبلى ثيابهم، لا يجدون له حلاوة ولا لذاذة، إن قصَّروا عما أمروا به قالوا: إن الله غفور رحيم، وإن عملوا ما نهوا عنه قالوا: سيغفر لنا؛ إنا لا نشرك بالله شيئاً، أمرُهم كله طمع ليس فيه خوف، لبسوا جلود الضأن على قلوب الذئاب، أفضلهم في نفسه المُدهن.
وقال الله تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [سورة التغابن: 15] ؛ أي: محنة ممتحنون بهما، أو مضلات لكم لا ينجيكم منها إلا ابتغاء ما عند الله
وإيثاره عليهم.
ولذلك قال الله تعالى: {وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [سورة التغابن: 15، 16] .
ونظير هذه الآية قوله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46) } [سورة الكهف: 46] .
قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: إنما سمي المال لأنه يميل بالناس، وسميت الدنيا لأنها دنت. رواه ابن أبي حاتم، والخطيب.
قلت: ويحتمل أنه سمي مالاً لأنه يميل عن الناس كما يميل بهم.
وفي الحديث:"لِكُلِّ أُمَّةِ فِتْنةٌ، وفِتْنةُ أُمَّتِي الْمَالُ". رواه ابن مردويه عن عبادة بن الصامت، وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنهم، وعن كعب بن عياض - رضي الله عنه -، ولفظه: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةِ فِتْنةٌ، وفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ".