وصحح على شرطهما أيضاً عن صفوان بن عبد الله بن صفوان قال: استأذن سعد - رضي الله تعالى عنه - على ابن عامر، وتحته مرافق من حرير، فأمر بها فرفعت، فدخل عليه وعليه مطرف من خز، فقال له: استأذنت وتحتي مرافق من حرير، فأمرت بها فرفعت.
فقال: نِعْمَ الرجل أنت يا ابن عامر، إن لم تكن ممن قال الله تعالى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} [سورة الأحقاف: 20] ، والله لأن اضطجع
على جمر الغضا أحب إليَّ من أن أضطجع عليها.
وروى الإمام مالك رحمه الله تعالى عن يحيى بن سعيد: أن عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنهما جاء ومعه حامل لحم، فقال عمر: أما يريد أحدكم أن يطوي بطنه لجاره وابن عمه؟ فأين تذهب عنكم هذه الآية {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} [سورة الأحقاف: 20] ؟
وهذه الآية - وإن كانت في الكفار - فقد يخشى ما فيها على المنهمكين في الطيبات من المسلمين كما فهمه عمر وسعد رضي الله تعالى عنهما بأن يسترسلوا في الشهوات المباحة، بحيث إنه كلما أجاب نفسه إلى واحدة دعته إلى أخرى، فيصير إلى أنه لا يمكنه عصيان نفسه في هوى، وينسد عنه باب العبادة التي ثوابها طيبات الجنة، وينفتح له باب المعصية التي عقابها حرمان الطيبات، والنزول من الدرجات إلى الدركات، فلا يبعد أن يقال له والعياذ بالله: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} [سورة الأحقاف: 20] .
وقد نبَّهَ على ذلك الحليمي في"منهاجه"، وغيره.
وروى ابن أبي حاتم في"تفسير"عن أبي الأشعث رحمه الله تعالى قال: أوحى الله تعالى إلى داود - عليه السلام - أن القلوب
المعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة.
وقال الله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) } [سورة مريم: 59] .
قال ابن مسعود - رضي الله عنه - في الآية: ليس إضاعتها تركها؛ قد يضيع الإنسان الشيء ولا يتركه، ولكن إضاعتها إذا لم يصلها لوقتها. أخرجه عبد بن حميد.