وروى ابن أبي الدنيا، والضياء في"المختارة"بسند صحيح، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: في الجنة شجرة على ساق قدر ما يسير الراكب المُجد في ظلها مئة عام، فيخرج أهل الجنة أهل الغرف وغيرهم فيتحدثون في ظلها، فليشتهي بعضهم ويذكر لهو الدنيا، فيرسل الله - تعالى - ريحاً من مسك، فتحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا.
وروى الثعلبي عن الأوزاعي رحمه الله تعالى قال: ليس أحد من خلق الله تعالى أحسن صوتاً من إسرافيل - عليه السلام - فإذا أخذ في السماع قطع على أهل سبع سماوات صلاتهم وتسبيحهم.
وروى الإمام أحمد في"الزهد"، والبيهقي عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: يقام داود - عليه السلام - عند ساق العرش، فيقول الله تعالى: يا داود! مجِّدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا، فيقول: كيف وقد سلبتنيه؟ فيقول: إني سأرده عليك اليوم، فيندفع داود بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنة.
وروى الطبراني، والبيهقي عن أبي أمامة - رضي الله تعالى عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"مَا مِنْ عَبْدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ يَجْلِسُ عِنْدَ رَأْسِهِ وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ اثْنتَانِ مِنَ الْحُوْرِ الْعِيْنِ يُغَنِّيَانِهِ بِأَحْسَنِ صَوْتٍ سَمِعَهُ الأنْسُ وَالْجِنُّ، لَيْسَ بِمِزْمَارِ الشَّيْطَانِ وَلَكِنْ بِتَحْمِيْدِ اللهِ وَتَقْدِيْسِهِ".
وروى هنَّاد بن السَّري عن يحيى بن أبي كثير - رحمه الله
تعالى - في قوله تعالى: {فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} [سورة الروم: 15] ؛ قال: السماع.
وهذا الفصل الذي ذكرته هنا في سماع أهل الجنة فصل عزيز لطيف، وقد علمت أنه يكون ثواباً لأهلها وجزاء لتنزيه أسماعهم عن مزامير الشيطان واتباع الهوى في السماعات الدنيوية اللهوية، وكذلك سائر نعيم الجنة إنما هو جزاء عن نهي النفس عن الهوى، ومنعها منه في لباس وطعام وشراب، وغير ذلك.
ألا ترى إلى قوله تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) } [سورة الحاقة: 24] .