فهيأ لهم المزامير، والأعواد، والأوتار، والملاهي على ألحان داود عليه السلام، وأمر شياطينه أن يتفرقوا بها في بني إسرائيل، فلما سمع سفهاء بني إسرائيل لذلك مالوا إليها.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب"ذم الملاهي"عن مجاهد في قوله تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} ؛ قال: بالمزامير {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} [سورة الإسراء: 64] ؛ قال: كل راكب ركب في معصية الله فهو في خيل إبليس، وكل رجل سبقت في معصية الله فهي
من رجل إبليس.
وفيه عن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه: أنه كتب إلى مؤدب ولده: خذهم بالجفاء؛ فهو أمضى لإقدامهم، وترك الصبحة؛ فإن عادتها تكسب الغفلة، وقلة الضحك؛ فإن كثرته تميت القلب، وليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي الذي بَدْؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن، وإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم أن حضور المعازف واستماع الأغاني واللهج بها، ينبت النفاق في القلب كما ينبت العشبَ الماء، وليفتتح كل غلام منه بحزبه من القرآن يتثبت في قراءته، فإذا فرغ منه تناول قوسه ونبله وخرج إلى الغرض حافياً قدر سبعة أرشاق، ثم انصرف إلى القائلة؛ فإن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - كان يقول: قيلوا؛ فإن الشياطين لا تقيل.
قلت: هذا الأثر من لطائف الفوائد، وطرائف الفرائد.
وروى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"الْجَرَسُ مَزَامِيْرُ الشَّيْطَانِ".
وروى أبو داود عن عامر بن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهم: أن مولاة لهم ذهبت بابنة الزبير إلى عمر بن الخطاب - رضي الله
تعالى عنه - وفي رجلها أجراس، فقطعها عمر - رضي الله تعالى عنه - ثم قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إِنَّ مَعَ كُلِّ جَرَسٍ شَيْطَاناً".
* تنبِيْهٌ:
لما كان الركب الذي يصحبه جرس أو المجلس الذي فيه جرس، أو صورة، أو دف، أو غير ذلك من آلات اللهو محل الشياطين تنزهت الملائكة - عليهم السلام - عن هذه الأماكن.