وهذا الذي رجحناه هو الذي اختاره شيخ المفسرين (ابن جرير الطبري) رحمه الله حيث قال ما نصه:"وأولى التأويلين بالصواب فِي قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} تأويل من تأوله بمعنى: فإن أحصركم خوف عدو ، أو مرض ، أو علة من الوصول إلى البيت ، أي صيّركم خوفكم أو مرضكم تحصرون أنفسكم . ولو كان معنى الآية ما ظنه المتأول من قوله: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} فإن حبسكم حابسٌ من العدو عن الوصول إلى البيت ، لوجب أن يكون: فإن حصرتم".
أقول ويؤيده ما روي فِي"الصحيحين"عن عائشة رضي الله عنها قالت:"دخل النبي صلى الله عليه وسلم على ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ، فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حُجّي واشترطي أن مَحَلّي حيث حبستني"فقد دل على أن المرض من الأسباب المبيحة للتحلل ، وهذا ما يتفق مع سماحة الإسلام ويسر أحكامه .
الحكم الثالث: ماذا يجب على المحصر ، وأين موضع ذبح الهدي ؟
الآية الكريمة صريحة فِي أن على (المحصر) أن يذبح الهدي لقوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا استيسر مِنَ الهدي} وأقله شاة ، والأفضل بقرة أو بدنة ، وإنما تجزئ الشاة لقوله تعالى: {فَمَا استيسر} وهذا رأي جمهور الفقهاء ، وروي عن ابن عمر أنه قال: بدنة أو بقرة ولا تجزئ الشاة ، والصحيح رأي الجمهور .
وأما المكان: الذي يذبح فيه هدي الإحصار فقد اختلف العلماء فيه على أقوال:
فقال الجمهور (الشافعي ومالك وأحمد) : هو موضع الحصر ، سواءً كان حلاً أو حرماً .
وقال أبو حنيفة: لا ينحره إلا فِي الحرم لقوله تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَآ إلى البيت العتيق} [الحج: 33] .
وقال ابن عباس: إذا كان يستطيع البعث به إلى الحرم وجب عليه ، وإلاّ ينحره فِي محل إحصاره .