بعد هذا يمضي السياق يدعو الناس إلى التمتع بطيبات الحياة ، والبعد عن خبائثها ، محذراً من اتباع الشيطان ، الذي يأمرهم بالخبائث ، والادعاء على الله فِي التحليل والتحريم بغير إذن منه ولا تشريع ؛ ويحذرهم من التقليد فِي شأن العقيدة بغير هدى من الله ، ويندد بالذين يدعون من دون الله ما لا يعقل ولا يسمع.. وبهذا يلتقي موضوع هذه الفقرة بموضوع الفقرة السابقة فِي السياق:
يا أيها الناس كلوا مما فِي الأرض حلالاً طيباً ، ولا تتبعوا خطوات الشيطان ، إنه لكم عدو مبين. إنما يأمركم بالسوء والفحشاء ، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون.
وإذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا. أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون؟ ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون..
لما بين الله - سبحانه - أنه الإله الواحد ، وأنه الخالق الواحد - فِي الفقرات السابقة - وأن الذين يتخذون من دون الله أنداداً سينالهم ما ينالهم.. شرع يبين هنا أنه الرازق لعباده ، وأنه هو الذي يشرع لهم الحلال والحرام وهذا فرع عن وحدانية الألوهية كما أسلفنا. فالجهة التي تخلق وترزق هي التي تشرع فتحرم وتحلل. وهكذا يرتبط التشريع بالعقيدة بلا فكاك.
وهنا يبيح الله للناس جميعاً أن يأكلوا مما رزقهم فِي الأرض حلالاً طيباً - إلا ما شرع لهم حرمته وهو المبين فيما بعد - وأن يتلقوا منه هو الأمر فِي الحل والحرمة ، وألا يتبعوا الشيطان فِي شيء من هذا ، لأنه عدوهم ؛ ومن ثم فهو لا يأمرهم بخير ، إنما يأمرهم بالسوء من التصور والفعل ؛ ويأمرهم بأن يحللوا ويحرموا من عند أنفسهم ، دون أمر من الله ، مع الزعم بأن هذا الذي يقولونه هو شريعة الله.. كما كان اليهود مثلاً يصنعون ، وكما كان مشركو قريش يدعون: