ومن وحدانية الألوهية التي يؤكدها هذا التأكيد ، بشتى أساليب التوكيد ، يتوحد المعبود الذي يتجه إليه الخلق بالعبودية والطاعة ؛ وتتوحد الجهة التي يتلقى منها الخلق قواعد الأخلاق والسلوك ؛ ويتوحد المصدر الذي يتلقى منه الخلق أصول الشرائع والقوانين ؛ ويتوحد المنهج الذي يصرف حياة الخلق فِي كل طريق.
وهنا والسياق يستهدف إعداد الأمة المسلمة لدورها العظيم فِي الأرض ، يعيد ذكر هذه الحقيقة التي تكرر ذكرها مرات ومرات فِي القرآن المكي ، والتي ظل القرآن يعمق جذورها ويمد فِي آفاقها حتى تشمل كل جوانب الحس والعقل ، وكل جوانب الحياة والوجود... يعيد ذكر هذه الحقيقة ليقيم على أساسها سائر التشريعات والتكاليف.. ثم يذكر من صفات الله هنا: {الرحمن الرحيم} .
.فمن رحمته السابغة العميقة الدائمة تنبثق كل التشريعات والتكاليف.
وهذا الكون كله شاهد بالوحدانية وبالرحمة فِي كل مجاليه:
{إن فِي خلق السماوات والأرض ، واختلاف الليل النهار ، والفلك التي تجري فِي البحر بما ينفع الناس ، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة ، وتصريف الرياح ، والسحاب المسخر بين السماء والأرض.. لآيات لقوم يعقلون} ..
وهذه الطريقة فِي تنبيه الحواس والمشاعر جديرة بأن تفتح العين والقلب على عجائب هذا الكون. العجائب التي تفقدنا الألفة جدتها وغرابتها وإيحاءاتها للقلب والحس ، وهي دعوة للإنسان أن يرتاد هذا الكون كالذي يراه أول مرة مفتوح العين ، متوفز الحس ، حي القلب. وكم فِي هذه المشاهد المكرورة من عجيب. وكم فيها من غريب وكم اختلجت العيون والقلوب وهي تطلع عليها أول مرة ؛ ثم الفتها ففقدت هزة المفاجأة ، ودهشة المباغتة ، وروعة النظرة الأولى إلى هذا المهرجان العجيب.