فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَوْ حُلِبَ مِنْ شَاةٍ حَيَّةٍ ثُمَّ جُعِلَ فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ وَبَيْنَ مَا إذَا كَانَ فِي ضَرْعِ الْمَيْتَةِ ؟ قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مَوْضِعَ الْخِلْقَةِ لَا يُنَجِّسُ مَا جَاوَرَهُ بِمَا حَدَثَ فِيهِ خِلْقَةً.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ اتِّفَاقُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ اللَّحْمِ بِمَا فِيهِ مِنْ الْعُرُوقِ مَعَ مُجَاوَرَةِ الدَّمِ لِدَوَاخِلِهَا مِنْ غَيْرِ تَطْهِيرٍ وَلَا غَسْلٍ لِذَلِكَ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ الْخِلْقَةِ لَا يُنَجِّسُ بِالْمُجَاوَرَةِ لِمَا خُلِقَ
فِيهِ.
وَدَلِيلٌ آخَرُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} وَهَذَا يَدُلُّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا: أَحَدُهُمَا: مَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ فِي اقْتِضَائِهِ لَبَنَ الْحَيَّةِ وَلَبَنَ الْمَيْتَةِ ، وَالثَّانِي: إخْبَارُهُ بِخُرُوجِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ هُمَا نَجِسَانِ مَعَ الْحُكْمِ بِطَهَارَتِهِ ، وَلَمْ تَكُنْ مُجَاوَرَتُهُ لَهُمَا مُوجِبَةً لَتَنْجِيسِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْخِلْقَةِ ، كَذَلِكَ كَوْنُهُ فِي ضَرْعِ مَيْتَةٍ لَا يُوجِبُ تَنْجِيسَهُ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا رَوَاهُ شَرِيكٌ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: {أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ الطَّائِفِ بِجُبْنَةٍ ، فَجَعَلُوا يَقْرَعُونَهَا بِالْعَصَا ، فَقَالَ: أَيْنَ يُصْنَعُ هَذَا ؟ فَقَالُوا: بِأَرْضِ فَارِسَ ، فَقَالَ: اُذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَكُلُوا} .