إذن ، فالضرورات التي اقتضت المشروع الوضعي أن يعدل قانوناً غفل عن جزئياته ساعة وضعه الأول ، مثل هذه الأمور لا توجد فِي تشريعات السماء ، لأن الله يعلم الأقضية التي تجئ. وهب أن الضرورة التي تستلزم التعديل لم تكن موجودة ، وبعد ذلك جدت ضرورات ، أكان الحق يميت خلقه لأنه قال: لا تأكلوا الميتة ؟ عندئذ كنا سنقول: ما هذه الحكاية ؟ صحيح الميتة ستضر ، وإنما المخمصة والمجاعة ستميت ، فلماذا لا نتحمل أكل ما يضر بدلاً من أن نمتنع عن الأكل فنموت من الجوع ؟ إذن فهي عدالة الحق التي قالت:"فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه"فالاضطرار له شرط هو:"غير باع ولا عاد". وغير باغ يعني غير متجاوز الحد ، فيأخذ على قدر حاجته الضرورية ، مثلاً ، لا يقول: إن الله أحل الميتة لمثل ما أنا عليه من الاضطرار ويملأ بطنه منها ، لا ، إن عليه أن يأخذ على قدر استبقاء الحياة. ولا يظن أن ذلك يصبح حلالاً ، بل يقول: إن هذا حرام أبيح للاضطرار.
وأيضا لابد أن نلحظ قيمة الحقوق المتعلقة بالآخرين ، هب أن إنساناً يملك فنجان ماء لا يكفيه إلا ليروي حلقه ، وبعد ذلك جاء شخص آخر مضطر وقوي وضربه ليأخذ منه هذا الفنجان. نقول لهذا المعتدي: لا تعتد لأن للملكية سبقاً ، فإن اتسعت لكما كمية الماء معاً فأهلاً وسهلاً ، وإن لم تتسع ، فصاحب الملكية أولى بالماء ، ولا يقولن هذا الآخر:"أنا مضطر لأن آخذها منه". إن اضطراره سيدفع عنه المضرة ويوقعها فِي غيره. إذن ، فالمقاييس عند الضرورة تظل كما هي ، فلابد من احترام الحق والسبق ولا يصح أن نتجاوز بالضرورة قدرها ، هذا معنى قوله:"فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه"، وقوله الحق:"فلا إثم عليه"يدل على أن المسألة فيها إثم أباحها الله عز وجل للضرورة ؛ وذلك حتى لا نحلها تحليلاً دائماً ، فإذا ما زالت الضرورة عدنا إلى أصل الحكم.