وإقامة شعائر الحج فرض في العمر مرة، ومن تطوع خيرا بأن أكثر من الطاعة وزاد عن الواجب الأصلي، فإن الله يجازيه على الإحسان إحسانا، ويثيب على القليل بالكثير، فلا يبخس أحدا ثوابه، وهو عليم بقصده وإرادته وبمن يستحق هذا الجزاء.
وفي التعبير عن الجزاء الحسن بالشكر تربية على فضائل الأخلاق، إذ إن منفعة عمل العبادة عائدة إليهم، وهو مع ذلك قد شكرهم عليه، فهل يليق بعدئذ كفران النعمة الإلهية وعدم شكرها؟! إن شكر المعروف وتقدير النعمة سمة أهل الوفاء والإخلاص، بل هو سبب لزيادة النعمة ودوامها وإسبال الستر الإلهي على العبد الشاكر الطائع.
وقد حمل العلماء الشكر على الثواب والجزاء بطريق المجاز، لأن الشكر بمعنى مقابلة الإحسان والنعمة بالثناء والتقدير محال على الله، إذ ليس لأحد عند ربه
يد ونعمة، ولا حاجة لله تعالى لعمل العباد. وأثبت السلف صفة الشكر لله، فهي صفة تليق بجلاله وكماله.
ثم عاد القرآن إلى كشف موقف أهل الكتاب (اليهود والنصارى) في عناد النّبي صلّى الله عليه وسلّم ومعاداتهم إياه، ولا سيما علماء اليهود وأحبارهم، وما تضمنه موقفهم من أنهم يعرفون النّبي صلّى الله عليه وسلّم كما يعرفون أبناءهم، وأنهم يكتمون الحق وهم يعلمون.
إن الذين يكتمون ويخفون ما أنزل الله- إما بعدم ذكر نصوصه للناس حين الحاجة إليه أو السؤال عنه، كالبشارة بالنبي صلّى الله عليه وسلّم وصفاته الموجودة في سفر التثنية، وإما بتحريف الكلم عن مواضعه حين الترجمة، ووضع شيء مكذوب من عندهم مكانه، سواء في التوراة والإنجيل- جزاؤهم الطرد من رحمة الله، وغضب الله عليهم، ولعنهم من الملائكة والناس أجمعين.
وحكمة هذا الجزاء: أن ما أنزل الله من البينات والهدى، كان لخير الناس وهدايتهم إلى الطريق المستقيم، عن طريق إيراد الأدلة الواضحة على صدق محمد صلّى الله عليه وسلّم، وتبيان حقيقة أمره ووجوب اتباعه والإيمان به، فإذا كتموا ما أنزل، وحجبوا الحقائق عن الأعين، أوقعوا الناس في ضرر جسيم، وشر عميم، وعطلوا الكتب السماوية، وفوتوا ما تؤتيه من ثمار وغايات طيبة مرجوة منها.