قال البقاعي: وسبب تكثير الأدلة أنّ عقول الناس متفاوته فجعل سبحانه العالَمَ - وهو الممكنات الموجودة، وهي جملة ما سواه، الدالّة على وجوده وفعله بالاختيار - على قسمين: قسم من شأنه أن يدرك بالحواس الظاهرة، ويسمى فِي عرف أهل الشرع: الشهادة والخلق والملك، وقسم لا يدرك بالحواس الظاهرة ويسمى: الغيب والأمر والملكوت. والأول يدركه عامة الناس، والثاني يدركه أولو الألباب الذين عقولهم خالصة عن الوهم والوساوس. فالله تعالى - بكمال عنايته ورأفته ورحمته - جعل العالم بقسميه محتوياً على جمل وتفاصيل من وجوهٍ متعدّدة، وطرق متكثرة، تعجز القوى البشرية، عن ضبطها، يستدلّ بها على وحدانيته، بعضها أوضح من بعض، ليشترك الكل فِي المعرفة، فيحصل لكلٍّ بقدر ما هُيِّئَ له، اللهم إلا أن يكون ممن طُبع على قلبه، فذلك - والعياذ بالله - هو الشقي انتهى.
قال المهايمي: وكيف ينكرون وجود الله، وتوحيده، ورحمانيته، ورحيميته، وقد دلّ عليها دلائل العلويات والسفليات وعوارضهما والمتوسطات؟ ثم قال:
أما دلالة السماء والأرض على وجود الإله فلأنهما حادثان؛ لأن لهما أجزاء يفتقران إليها، فلا بدّ لها من محدث ليس بعضَ أجزائهما، لأنه دخله التركيب الحادث، والقديم لا يكون محلاً للحوادث، والمحدث لا بدّ أن يكون قديماً قطعاً للتسلسل، وعلى التوحيد، فلأن إله السماوات لو كان غير إله الأرض لم يرتبط منافع أحدهما بالآخر، وعلى الرحمتين لأنه عز وجل جعل فِي الأرض موادّ قابلة للصور المختلفة وأفاضها واحدة بعد أخرى بتحريك السماوات.