قال الراغب: ولما لم يكن فرق بين أن يقال: {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ} وبين أن يقال: والبحر الذي يجري فيه الفلك، فِي أن القصد الأول بالآية أن يعرف منفعة البحر، وإن أخر فِي اللفظ، قدم ذكر الفلك الذي هو من صنعتنا. ولما كان سبيلنا إلى معرفتها أقرب منه إلى معرفة صنعه - قدم ذكر الفلك لينظر منها إلى آثار خلق الله تعالى {وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء} أي: المزن: {مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ} بأنواع النبات والأزهار وما عليها من الأشجار: {بَعْدَ مَوْتِهَا} باستيلاء اليبوسة عليها: {وَبَثَّ فِيْهَا} أي: نشر وفرق: {مِنْ كُلِّ دَاْبَّةٍ} من العقلاء وغيرهم: {وَتَصْرِيْفِ الرِّيَاْحِ} أي: تقليبها فِي مهابها: قبولاً ودبوراً وجنوباً وشمالاً، وفي أحوالها: حارةً وباردةً وعاصفةً ولينة، فتارة مبشرة بين يدي السحاب، وطوراً تسوقه، وآونةً تجمعه، ووقتاً تفرقه، وحيناً تصرفه.
قال الثعالبي: إذا جاءت الريح بنَفَس ضعيف، ورَوْح فهي النسيم، فإذا كانت شديدة فهي العاصف، فإذا حركت الأغصان تحريكاً شديداً وقلعت الأشجار فهي الزعزَعان والزعزع، فإذا جاءت بالحصباء فهي الحاصبة، فإذا هبت من الأرض نحو السماء كالعمود فهي الإعصار، ويقال لها زوبعة أيضاً، فإذا هبت بالغبرة فهي الهَبْوة، فإذا كانت باردة فهي الصرصر، فإذا كان مع بردها ندى فهي البليل، فإذا كانت حارة فهي الحَرُور والسّموم، فإذا لم تُلقح شجراً ولم تحمل مطراً فهي العقيم، ومما يذكر منها بلفظ الجمع: الأعاصير وهي التي تهيج بالغبار، واللواقع التي تلقح الأشجار، والمعصرات التي تأتي بالأمطار، والمبشرات التي تأتي بالسحاب والغيث.