{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} : أي فاصرفه نحوه لوجود الكعبة فيه. والمراد بالحرام: المحرَّم، لأن القتال فيه محرم.
والتعبير عن الكعبة بالمسجد الحرام: إشارةٌ إلى أنَّ الواجب هو مراعاة الجهة.
روى ابن ماجة، والحاكم والدارقطني، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:"ما بين المشرق والمغرب قبلة".
وروى البيهقي، أنه - عليه الصلاة والسلام - قال:"البيت قبلة المسجد. والمسجد قبلة لأهل الحرم. والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أُمتي)."
{وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} : توجيه الأمر للأمة بعد توجيهه للنبي - صَلَّى الله عليه وسلم - لئلا يلتبس الحكم على المسلمين، فيظنوا أنَّ الأمر خاص به وحده - عليه السلام - أي وفي أي مكانٍ من الأرض وجدتم، فاصرفوا وجوهكم في الصلاة نحو المسجد الحرام.
وفي الآية إشعار بانتشار الإسلام في بقاع الأرض، وأن المسلمين سيفتح الله عليهم البلاد، وأن عليهم - حيثما كانوا - أن يتجهوا في صلاتهم نحو المسجد الحرام.
{وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} : المقصود بالذين أُتوا الكتاب هنا: الذين اعترضوا وشنعوا على المؤمنين حينما انصرفوا عن استقبال بيت
المقدس قبلتهم إلى استقبال الكعبة، كما مرَّ في سبب النزول، وهم الذين نزل فيهم الوعيد الآتي.
والمعنى: وإن الذين أُتوا الكتاب، وأّثاروا الفتنة في شأن تحويل القبلة، ليعلمون يقينًا أّنَّ تحويلَها هو الحق من ربهم، وأنه منزل من الله، فما بالهم يثيرون الفتنة بشأنه؟ فهم يعلمون من كتبهم: أَنَّ لكل دين قِبْلةً، وأنك صادق لا تنطق إلا بالحق الذي يصدر عن ربهم. وكما يعلم اليهود ذلك من كتابهم، يعلمه النصارى من كتابهم أيضًا.
والآية مؤَكدة بعدة مؤَكدات، هي: إنَّ وأَنَّ واللام، وذكر الحق ونسبته إلى الرب - سبحانه - لتقرير أنه وحي من الله.