وأن يعرض للقتل، فيطاب نفساً عنها ويعوضهم أن لا يسمعوا من أهل الملل المرفوعة، ومن المشركين أذى كثيراً.
فإن هم ضاقوا صدراً بكل مكروه يلحقهم فليعلموا أن لا قوام لدينهم في التضجر بما يصيب فيه ولأجله.
وإن وطنوا قلوبهم على الصبر واتقوا عذاب الله تبارك وتعالى فلم يعرضوا دينهم للذهاب، باستشعار القلق والضجر {فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} .
أي من فعل الحازم العازم، وهو الثابت في الأمر الجاد فيه.
وهكذا حكمه - عز وجل - عن لقمان بعدما وصفه بالحكمة أنه قال فيما وعظ به ابنه: {وَاصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} .
وبالله التوفيق.
وأما الصبر على المصائب، فقد تقدم القول فيه، وقد قال - عز وجل - فيما يتصل منه بالصبر عن مجازاة الظالم: {وَالَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ * وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ} .
فكان معنى قوله - عز وجل - {وَالَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ} أي ينتصرون جميعاً أي يتناصرون، لا يخذل بعضهم بعضاً.
وهذا مدح لهم بالتناصر إذا قصد المبغي عليه أن ينتصر.
ثم بين بعده إن كان الانتصار مملوكاً، فالعفو خير له لأنه يستحق به إذا أراد وجه الله تعالى أجراً هو خير له، وأعود عليه من الانتصار.
ثم زاد نعتاً على العفو وندباً إليه، فقال: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} .
أي من فعل العازم وهو الثابت الجاد في الأمور.
وفي الصبر على البلاء: روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال في الخصي: «من ابتلى بمثل ما ابتلي هذا فصبر، فله الجنة» .
وهذا - والله أعلم - إذا صبر فلم يجزع، ولم يقل بلسانه ما يقول المصاب مما يشتد عليه، ولم يضق ذرعاً بما يحس في نفسه من شهوة لا يستطيع قضاءها.
ورغب فيما عند الله من ثوابه، فهون المصيبة على قلبه واستخفها في حب ما يرجوه من فضل ربه عز وجل.
فأما الصبر لا على هذا الوجه فصبر ومره وليس هذا المراد بالحديث والله أعلم.
وفي الصبر على المصيبة: قال النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «إذا اشتد حزن أحدكم على هالكه فليذكرني، وليعلم أني قد هلكته» .