ولا تفرحوا بما أتاكم، أي لا تسروا به وتنظروا به وتتكبروا به، على من لم يؤت مثل ما أوتيتم، لأنه عارية عندكم وليست بملك.
فإن حقيقة الملك لله عز وجل، وليس للمستعير أن يتبذخ بالعارية، لأنه لا يأمن في كل لحظة أن يسترجعها منه صاحبها، فنعم الدنيا هكذا والله أعلم.
وقال عز وجل: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ} إلى قوله: {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ} .
وقال: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} .
وقال: {نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} .
والصبر في هذه الآيات ينتظم معاني: إحداهما: الصبر على كلف العبادات، وما يلحق النفس في إقامتها من المشقة.
والآخر: الصبر على المصائب المؤلمة الكارثة.
والثالث: الصبر على أذى المخالفين وما يفرغ للأسماع من قولهم السوء، واستهزائهم وسبهم وما يتصل بذلك من أمرهم.
والرابع: الصبر على الشهوات ومجاهدة النفس في وقعها عما يهم به منها حلالها وحرامها.
وجملة ذلك الصبر عما لا ضرورة إليه ونزل عليه.
وقد يجوز أن تكون هذه الوجوه كلها مرادة بهذه الآيات، لأنه لا ينافي بينها حتى إذا كان أحدها من إذا امتنع أن يكون للآخر مراداً.
وقد قال الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .
فقيل معنى قوله عز وجل: {اصْبِرُواْ} أي على ما كلفتم، ولا تخلوا بشيء منه ولا تقصروا فيه.
ومعنى قوله {وَصَابِرُواْ} أي صابروا العدو واثبتوا لهم كما يثبتون لكم.
وقال قبل هذا {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} فأخبرهم - عز وجل - أن نسخ الشرائع المتقدمة وانبعاث نبي فله جريده، والأمر مع ذلك بقتال من خالف.
فعرضهم لأن يبتلوا في أموالهم وأنفسهم.
أما في أموالهم بأن ينفقوها في نصرة دين الله، وبأن يذهب منهم أن ظهر أمر العدو عليهم، والأنفس بأن يمتهن ويبتذل ويجوع ويعطش وينصب ويجهد في نصرة دين الله.