وَلَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ الْأَدْعِيَاءُ مُصَلِّينَ لَكَانُوا مِنَ الصَّابِرِينَ، وَإِنَّمَا تِلْكَ حَرَكَاتٌ تَعَوَّدُوهَا فَهُمْ يُكَرِّرُونَهَا سَاهِينَ عَنْهَا، أَوْ يَقْصِدُونَ بِهَا قُلُوبَ النَّاسِ يَبْتَغُونَ عِنْدَهَا الْمَكَانَةَ الرَّفِيعَةَ بِالدِّينِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْفَوَائِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي لَا يَعْقِلُونَ سِوَاهَا، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يُعَوِّدَ نَفْسَهُ احْتِمَالَ الْمَكَارِهِ، وَيُحَاوِلَ تَحْصِيلَ مَلَكَةِ الصَّبْرِ عِنْدَمَا تَعْرِضُ لَهُ أَسْبَابُهُ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَعِنْ عَلَى عَمَلِهِ بِالصَّبْرِ لَا يَتِمُّ لَهُ أَمْرٌ، وَلَا يَثْبُتُ عَلَى عَمَلٍ، وَلَا سِيَّمَا الْأَعْمَالُ الْعَظِيمَةُ كَتَرْبِيَةِ الْأُمَمِ وَالِانْتِقَالِ بِهَا مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ ; لِذَلِكَ تَرَى كَثِيرِينَ يَشْرَعُونَ فِي الْأَعْمَالِ الْعَظِيمَةِ
فَيُعْوِزُهُمُ الصَّبْرُ فَيَقِفُونَ عِنْدَ الْخُطْوَةِ الثَّانِيَةِ. وَمَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ تَحْصِيلِ هَذِهِ الْمَلَكَةِ فَهُوَ خَائِنٌ لِنَفْسِهِ جَاهِلٌ بِمَا أَوْدَعَ اللهُ فِيهِ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ، فَهُوَ بِاحْتِقَارِهِ لِنَفْسِهِ مُحْتَقِرٌ نِعْمَةَ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَهُوَ بِهَذَا الْإِحْسَاسِ بِالْعَجْزِ قَدْ سَجَّلَ عَلَى نَفْسِهِ الْحِرْمَانَ مِنْ جَمِيعِ الْفَضَائِلِ.