الرِّضْوَانُ، حَتَّى فَازُوا بِعَاقِبَةِ الصَّبْرِ الْمَحْمُودَةِ وَنَصَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى مَعَ قِلَّتِهِمْ وَضَعْفِهِمْ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ مَعَ قُوَّتِهَا وَكَثْرَتِهَا، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بِالصَّبْرِ ; لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَهُ سَبَبًا لِلنَّجَاةِ مِنَ الْخُسْرِ، كَمَا جَاءَ فِي سُورَةِ الْعَصْرِ.
الْمُتَحَمِّلُ لِلْمَكْرُوهِ مَعَ السَّآمَةِ وَالضَّجَرِ لَا يُعَدُّ صَابِرًا، وَهَذَا هُوَ شَأْنُ مُنْتَحِلِي الْعِلْمِ وَمُدَّعِي الصَّلَاحِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، تَرَاهُمْ أَضْعَفَ النَّاسِ قُلُوبًا وَأَشَدَّهُمُ اضْطِرَابًا إِذَا عَرَضَ لَهُمْ شَيْءٌ عَلَى غَيْرِ مَا يَهْوُونَ، عَلَى أَنَّ عُنْوَانَ صَلَاحِهِمْ وَاسْتِمْسَاكِهِمْ بِعُرْوَةِ الدِّينِ هُوَ جَرَسُ الذِّكْرِ وَحَرَكَاتُ الْأَعْضَاءِ فِي الصَّلَاةِ، وَمَا كَانَ لِلْمُصَلِّي وَلَا لِلذَّاكِرِ أَنْ يَكُونَ ضَعِيفَ الْقَلْبِ عَادِمَ الثِّقَةِ بِاللهِ تَعَالَى، وَهُوَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُبَرِّيءُ الْمُصَلِّينَ
مِنَ الْجَزَعِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الصَّبْرِ بِقَوْلِهِ: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ) (70: 19 - 22) إِلَخْ، وَقَدْ جَعَلَ ذِكْرَهُ مَعَ الثَّبَاتِ فِي الْبَأْسَاءِ فِي قَرْنٍ، إِذْ قَالَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (8: 45) وَقَدْ قَرَنَ فِي الْآيَةِ الَّتِي نُفَسِّرُهَا الصَّلَاةَ بِالصَّبْرِ وَجَعَلَ الْأَمْرَيْنِ مَعًا ذَرِيعَةَ الِاسْتِعَانَةِ عَلَى مَا يُلَاقِي الْمُؤْمِنُونَ فِي طَرِيقِ الْحَقِّ مِنَ الشَّدَائِدِ.