وَلكُلٍّ وجْهَةٌ ولكل قوم من الْمُسْلمينَ فاللام في الخيرات حِينَئِذٍ للعهد أو للجنس ادعاء لما
ذكرنا آنفًا من أنه مشتمل عَلَى كل خير وهي المسامتة عَلَى صيغة اسم الْفَاعل أي الفاضلات
التي تسامت الكعبة أي التوجه إلَى عين الكعبة وهذا للآفاقي عسير بل متعذر فجمع
الخيرات لكونها عبارة عن الجهات الفاضلات من الْقبْلَة ولا يتناول غير أمر الْقبْلَة من سائر
الخيرات، فلو قيل إن الجمع مع كون الْمُرَاد بالخيرات قبلة باعْتبَار الجهات فاضلة كانت أو
غيرها لم يبعد فلا حاجة إلَى تعميم الخيرات إلَى أمر الْقبْلَة وغيره في الوجه الأول.
قوله: (في أي مَوْضع تكُونُوا من موافق ومخالف مجتمع الأجزاء ومفترقها) أشار إلَى
أن أين ظرف مكان وأنه للشرط لا للاسْتفْهَام ولفظة ما زائدة، وجوابه (يَأْت بكُمُ اللَّهُ) بأي معنى
كان. قوله من موافق الخ. بيان لعموم الموضع، والْمُرَاد بالموافق ما وافق طبعكم كالْأَرْض
والمخالف كالسماء، ومجتمع الأجزاء كالصخرة ومتفرقها كالرمل، والْمُرَاد المُبَالَغَة في وصول
علمه تَعَالَى إلَى كل شيء وكل خفي. والْمَعْنَى أينما تكُونُوا. أي في أي مَوْضع ظاهرًا كان أو
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
خير هُوَ اسم التَّفْضيل بخلاف التَّفْسير الأول فإنه عَلَى جعلها جمع خير هُوَ صفة مشبهة مخفف
من خيّر بالتشديد وأفادت الآية عَلَى تفسير الخيرات بالفاضلات من الجهات أن صلاة من صلى
متوجهًا إلَى عين الكعبة زائدة ثوابًا عَلَى صلاة من صلى إلَى جهتها، فيكون الأمر بالاستباق
للاستحباب والندب، فعلى هذا يكون الخطاب في فاستبقوا خاصًا لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بخلاف الأول
فإنه عام لكل من أهل الملل المختلفة فإن كان الخطاب فيه عامًا يكون الخطاب في أينما
تكُونُوا عامًا أَيْضًا ولذا قال في تفسيره من موافق ومخالف له وصرف معنى أين أَيْضًا إلَى عموم
الأمكنة بقوله في أي مَوْضع تكُونُوا، وأما إن كان خاصًا بالمؤمنين من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - يكون
الْمَعْنَى أينما تكُونُوا في الصلاة أيها الْمُؤْمنُونَ من الجهات المتقابلة شمالا وجنوبًا وشرقًا وغربًا
بعد أن تولوا جهة الكعبة يَأْت بكُمُ اللَّهُ جَميعًا، ويجعل صلاتكم كأنها إلَى جهة واحدة لاتحادكم
في التوجه إلَى الجهة التي أمرتم.
قوله: إليها ففي كلامه رحمه الله لف ونشر، فإن تفسير (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْت بكُمُ اللَّهُ جَميعًا)
بقوله في أي موضع (تكُونُوا) من موافق ومخالف ناظر إلَى عموم الخطاب في
(فاستبقوا الخيرات) وأن الخيرات جمع لمطلق الخير شامل لجميع ما يطلق عليه اسم الخير غير
مراد به الفاضلات فقط، وتفسيره بقوله أو (أَيْنَ مَا تَكُونُوا) من الجهات المتقابلة إلَى آخره ناظر إلَى أن
يختص الخطاب بهذه للأمة ويراد بالخيرات ما هُوَ في أمر الْقبْلَة مُطْلَقًا أو الفاضلة من جهات الْقبْلَة
فسر رحمه الله معنى الآية عَلَى ثلاثة أوجه: تلخيص ما ذكره أنه كان الْمُرَاد بالعموم المُسْتَفَاد من أينما
عموم مطلق الأمكنة أي مكان كان، وبالإتيان الجمع إلَى المحشر فهو الوجه الأول بقرينة قوله عز
وجل: (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلَى يَوْم الْقيَامَة) وقوله: (فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا) وإن كان
الْمُرَاد بالعموم عموم الأمكنة المفيدة فإن أريد بها أعماق الْأَرْض وقلل الجبال وبالإتيان قبض الأرواح
بقرينة قَوْلُه تَعَالَى: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْركْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) فهو
الوجه الثاني وإن أريد لها الجهات المتقابلة وبالإتيان جعل الصلوات الواقعة في تلك الجهات
كالصلاة إلَى جهة واحدة، فهو الوجه الثالث ومآل معنى الإتيان في هذا الوجه إلَى قبول تلك الصلاة
وإن كانت من الجهات المختلفة المتقابلة.