خفيًا علوًا كان أو سفلًا حتى إذا كنتم في جوف صخرة ومقعر الْأَرْض أو إنْ كُنْتُمْ في
محدب السَّمَاوَات يحشركم الله تَعَالَى للجزاء خيرًا كان أو شرًا؛ لأنه لطيف يصل علمه إلَى
كل خفي خبير عالم بكنه الأشياء، ومن جملة ما تجازون به أمر الْقبْلَة فاحذررا عن المشاجرة
والمنازعة فيه واتبعوا ما أمركم الله تَعَالَى، وبملاحظة ما ذكر يظهر الارتباط بما قبله ظهورا
باهرًا، ولقصد المُبَالَغَة يفرض الأمور الممتنعة فلا إشكال في فرض كونهم في السَّمَاوَات وفي
جوف صخرة وغيرها، أَلَا [تَرَى] أنه تَعَالَى حكى عن لقمان أنه قال(يَا بُنَيَّ إنَّهَا إنْ تَكُ مثْقَالَ
حَبَّةٍ منْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أَوْ في السَّمَاوَات [أَوْ في الْأَرْض] يَأْت بهَا اللَّهُ)الآية.
قوله: (يحشركم الله إلَى المحشر للجزاء) فالإتيان إتيانهم إلَى المحشر في الْآخرَة
وإنما تعرض للجزاء؛ لأنه من لوازم ذلك الإتيان، وأطلق ليتناول الخبر والشر فلا مجاز في
الإتيان؛ إذ إتيان المحشر من أفراد الإتيان.
قوله: (أو أينما تكُونُوا من أعماق الْأَرْض، وقلل الجبال يقبض أرواحكم) أي في أي
مكان تكُونُوا من أعماق الْأَرْض الخ. فكلمة من في كلامه بيان المَوْضع الذي هُوَ فهم من
أينما تكُونُوا. قوله يقبض بالجزم فالإتيان بمعنى قبض الأرواح مَجَازًا فإن الإتيان إلَى المحشر
إنما هُوَ بقبض الأرواح فذكر المسبب وأريد السبب. والْمَعْنَى فاستبقوا الخيرات قبل [فوات]
الأوقات فإنه (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْركْكُمُ الْمَوْتُ) لا يَخْتَصُّ بمكان دون مكان
فحِينَئِذٍ تكون هذه الآية موافقة لقَوْله تَعَالَى:(أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْركْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ في
بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ)فالْجُمْلَة تذييلية مؤكدة للأمر بالاستباق وفيه تحريض عَلَى
المسارعة إلَى المبرات قبل نزول الموت عَلَى الباب؛ إذ الغرض ببيان إدراك الموت ولحوقه
في أي مكان كانوا بيان أن إدراكه أمر مقطوع لا خلاص منه جزمًا فيحصل به الحث عَلَى
الطاعات قطعًا باغتنام الفرصة والتجنب عن الغفلة.
قوله:(أو أينما تكُونُوا من الجهات المتقابلة يَأْت بكُمُ اللَّهُ جَميعًا ويجعل صلواتكم كأنها
إلى جهة واحدة)من الجهات المتقابلة فمنكم من يتوجه إلَى يمين الكعبة ومنكم من يتوجه إلَى
يسارها أو شرقها وغربها. يأت بكم اللَّه جَميعًا إلَى المحشر ويجعل صلواتكم كأنها متوجهة
إلى جهة واحدة في حسن القبول والْجَزَاء التام بدون تفاوت في الثواب أخَّره لاحتياجه إلَى