ولم يشأ الله أن يجعل القبلة إلي الكعبة أول الأمر لأنهم كانوا يقدسونها على أنها بيت العرب وكانوا يضعون فيها أصنامهم .. ووضع الأصنام فِي الكعبة شهادة بأن لها قداسة فِي ذاتها .. فالقداسة لم تأت بأصنامهم بل هم أرادوا أن يحموا هذه الأصنام فوضعوها فِي الكعبة .. لماذا لم يضعوها فِي مكان آخر ؟ لأن الكعبة مقدسة بدون أصنام. والله سبحانه وتعالى حين قال:"سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها".. ولاه يعني حرفه ورده .. والقبلة التي كانوا عليها هي بيت المقدس .. وهنا يأتي الحق برد جامع هو أن أوامر الله الإيمانية لا ترتبط بالعلة .. إنما علة التنفيذ فيما يأمرنا الله سبحانه به جل جلاله أن الله هو الآمر .. ولو أن الله تبارك وتعالى بين لنا السبب أو العلة فِي تغيير القبلة لما كان الأمر امتحانا للإيمان فِي القلوب .. لأن الإيمان والعبادة هي طاعة معبود فيما يأمر وما ينهي .. يقول لك الله عظم هذا الحجر وهو الحجر الأسود الموجود فِي الكعبة تعظمه بالاستلام والتقبيل .. ويقول لك: ارجم هذا الحجر الذي يرمز إلي إبليس فترجمه بالحصى ، ولا يقول الله سبحانه لماذا ؟ لأنه لو قال لماذا ضاع الإيمان هنا وأصبح الأمر مسألة إقناع واقتناع.
فأنا حين أقول لك لا تأكل هذا لأنه مر وكل هذا لأنه حلو يكون السبب واضحا .. ولكن الله تبارك وتعالى يقول لك كل هذا ولا تأكل هذا .. فإن أكلت مما حرمه تكون آثما. وإن امتنعت تكون طائعا وتثاب. إذن العلة الإيمانية هي أن الأمر صادر من الله سبحانه .. ولو أنك امتنعت عن شرب الخمر لأنها ضارة بالصحة أو تفسد الكبد فلا ثواب لك ، ولو امتنعت عن أكل لحم الخنزير لأن فيه كمية كبيرة من الكولسترول وله مضار كثيرة فلا ثواب لك .. ولكنك لو امتنعت عن شرب الخمر وأكل لحم الخنزير لأن الله حرمهما .. فهذه هي العبادة وهذا هو الثواب.