قال الحرالي: القبلة ما تجعل قبالة الوجه ، والقبل ما أقبل من الجسد فِي مقابلة الدبر لما أدبر منه {التي كانوا عليها} أي بيت المقدس ، ولعله ترك الإفصاح ليصلح ذلك لإرادة الكعبة أيضاً ليصير المعنى: إن كانوا انتقلوا عن الكعبة بأمر الله فهم مبطلون فِي رجوعهم وإلا فهم فِي كل حال أتباع الهوى ؛ وفي ذلك إشارة إلى أنه لما انقطعت حججهم ألقوا هذه الشبهة إلى من اختدعوه من المنافقين ولم يقدروا أن يواجهوا بها أحداً من الثابتي الإيمان ، كما قالوا فيما تقدم: {كونوا هوداً أو نصارى} [البقرة: 135] ونحوه علماً منهم بأن المحاج لهم عن المؤمنين من له الحجة البالغة ؛ ولذا جاء جوابهم بقوله: {قل} خالياً عن خطاب لا كما مضى فِي قوله: {قل أتخذتم عند الله عهداً} [البقرة: 80] {قل هاتوا برهانكم} [البقرة: 111] ونحوه ؛ وساق سبحانه الإخبار عنهم بذلك على طريق هو من أعلام النبوة وجلائل الرسالة ؛ فإنه إخبار عما سيكون من الأعداء ، فكان منهم على وفق الخبر ؛ ولم يقدروا مع شدة عداوتهم واجتهادهم فِي القدح بأدنى شبهة فِي التكذيب على تكذيبه بالكف عن ذلك ؛ هذا مع توطئة لذلك فيما سلف فِي خمسة مواضع: تحريفهم لكلام الله ، وإيقاعه النسخ واستدلاله على حسن فعله ، وإخباره بظلم مانع المسجد ، وإخباره بأنه لا يختص به جهة دون أخرى ، وذكره بناء البيت وما أمر به من تعظيمه واتخاذه مصلى ؛ مع ما فِي ذلك من توطين نفوس أهل الإسلام وإكرامهم بتعليم الجواب قبل الحاجة ، ليكون أقطع للخصم وأكسر لشوكته وأردّ لشغبه.