1 - (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ(1) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ):
(ق) سبق الكلام على مثله من الحروف في سورتي البقرة وآل عمران، فارجع إليه فيهما، والقرآن: هو الكتاب الذي أنزله الله بلفظه على نبيه محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ليكون معجزة مؤيدة له، باقية إلى قيام الساعة، أما معجزات الأنبياء قبله فقد فَنِيَت ولم يبق منها إلاَّ الحديث عنها.
وقد وُصِف القرآن بلفظ (الْمَجِيدِ) بمعنى ذي المجد والشرف، وشرفه بالنسبة إلى سائر الكتب واضح، أما غير الإلهية فظاهر، وأما الإلهية فلإعجازه وكونه غير منسوخ بغيره، واشتماله مع إيجازه على أسرار يضيق عنها كل واحد منها.
وقال الراغب: المجد: السعة والكرم، ثم قال: ووصف القرآن به لكثرة ما يتضمن من المكارم الدنيوية والأُخروية. اهـ.
وقد أقسم الله بالقرآن المجيد، وجواب القسم مقدر يدل عليه المقام، وتقديره: إنا أنزلناه لتنذر به الناس، أو إنك لمنذر بالبعث وما وراءه.
وقد عقَّب الله هذا القسم بقوله: (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَىْءٌ عَجِيبٌ) ، ولفظ (بل) للإضراب الانتقالى عمَّا ينبئ عنه جواب القسم المقدر، فكأنه قيل: إنا أنزلناه لتنذر الناس بالبعث وما وراءه فلم يؤمنوا، بل جعلوا كلا من النذر والمنذر به عرضة للتنكير والتعجب، مع كونهما أقرب شيء إلى العقول والتلقى بالقبول.
ثم أكدوا تعجبهم وبينوا أهم ما ينكرونه ويتعجبون منه فقالوا: (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ) يعنون أنهم إذا ماتوا وتحولت لحومهم وعظامهم إلى تراب، لا يعقل أَن تعود إليهم الحياة مرة أخرى، وجواب الاستفهام مقدر، أَي: نرجع.
ومعنى الآية: أَئذا تحولت لحومنا وعظامنا إلى تراب بعد الموت نرجع إلى الحياة مرةً أخرى؟ ذلك الرجوع إليها حينئذ رجوع بعيد عن التصديق وعن القبول.
وهذا الاستبعاد ناشئ عن قصر نظرهم وسوء فهمهم، فإن مَن خلقهم من تراب يُعيد خلقهم منه، وهو أهون من البدء.