وقيل: هو خبر من الله جل ذكره عن هؤلاء المنافقين أنهم قبل أن تنزل السورة يقولون: سمعاً وطاعة ، فإذا نزلت السورة بذلك كرهوه فقال لهم الله طاعة وقول معروف قبل وجوب الفرائض عليكم ، فإذا أنزلت الفرائض شق ذلك عليكم ، وكرهتموه ، فالكلام متصل على هذا القول لا يوقف على ما قبل طاعة ، والوقف على القول الأول: فأولى لهم"وعليه أكثر العلماء وقد ذكرته."
وقوله: {فَإِذَا عَزَمَ الأمر} .
أي: فإذا وجب القتال وفرض كرهتموه ، فالجواب محذوف لعلم السامع.
وقيل المعنى: فإذا [جَدَ] الأمر ، قاله مجاهد ، وعنه: فإذا جاء الأمر بالقتال .
وقيل المعنى: فإذا عزم أصحاب الأمر ، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
ثم قال: {فَلَوْ صَدَقُواْ الله لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} أي: فلو صدق هؤلاء المنافقون الله وتركوا التعلل والهرب لكان صدقهم الله خيراً لهم.
قال: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرض} .
هذه مخاطبة للمنافقين الكارهين للجهاد . أي: فهل عسيتم أيها القوم لعلكم أن توليتم عن ما فرض الله عليكم من الجهاد أن تفسدوا في الأرض ؛ أي: أن تعصوا الله ورسوله ، وتعودوا لما كنتم عليه من سفك الدم وقطع الرحم ، والتفرق بعدما جمعكم الإسلام وألف بين قلوبكم ، هذا معنى قول قتادة وغيره.
وقال محمد بن كعب معناه: فهل عسيتم أن توليتم من أمور الناس شيئاً أن يقتل بعضكم بعضاً .
وقيل المعنى: فهل عسيتم أن توليتم عن النبي صلى الله عليه وسلم . فكفرتم بما جاءكم به أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه من الكفر فتفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ، وترجعوا إلى العداوات والحروب التي كانت بين الأوس والخزرج.
وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه:"أَنْ تُوُلِّتُمْ"على ما لم يسم فاعله أي: إن وَلِيَ عليكم غيركم.
قوله: {أولئك الذين لَعَنَهُمُ الله} إلى قوله (وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) الآيات [24 - 36] .