وبدئ بالماء لأنه في الدنيا مما لا يستغني عنه ثم باللبن إذ كان يجري مجرى المطعم لكثير من العرب في كثير من أوقاتهم ثم بالخمر لأنه إذا حصل الري والمطعوم تشوفت النفس إلى ما يلتذ به ثم بالعسل لأن فيه الشفاء في الدنيا مما يعرض من المشروب والمطعوم فهو متأخر بالرتبة ، وجاء عن ابن عباس أن لبن تلك الأنهار لم يحلب ، وقال سعيد بن جبير: أنه لم يخرج من بين فرث ودم وإن خمرها لم تدسها الرجال بأرجلها وإن عسلها لم يخرج من بطون النحل.
وأخرج ابن جرير عن سعد قال: سألت أبا إسحاق عن قوله تعالى: {مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ} فقال: سألت عنه الحرث فحدثني أن ذلك الماء تسنيم وقال بلغني: أنه لا تمسه يد وأنه يجيء الماء هكذا حتى يدخل الفم.
وفي حديث أخرجه ابن مردويه عن الكلبي أن نهر دجلة نهر الخمر في الجنة وأن عليه إبراهيم عليه السلام ونهر جيحون نهر الماء فيها ويقال له نهر الرب ونهر الفرات نهر اللبن وأنه لذرية المؤمنين ونهر النيل نهر العسل.
وأخرج الحرث بن أبي أسامة في"مسنده".
والبيهقي عن كعب قال: نهر النيل نهر العسل ونهر دجلة نهر اللبن ونهر الفرات نهر الخمر ونهر سيحان نهر الماء في الجنة.
وأنت تعلم أن المذكور في الآية لكل أنهار بالجمع والله تعالى أعلم بصحة هذه الأخيار ونحوها ، ثم إنها إن صحت لا يبعد تأويلها وإن كانت القدرة الإلهية لا يتعاصاها شيء {وَلَهُمْ فِيهَا} مع ما ذكر من فنون الأنهار {مِن كُلّ الثمرات} أي أنواع من كل الثمرات فالجار والمجرور صفة مبتدأ مقدر وقدره بعضهم زوجان وكأنه انتزعه من قوله تعالى: