{مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ} أي غير متغير الطعم والريح لطول مكث ونحوه ، وماضيه أسن بالفتح من باب ضرب ونصر وبالكسر من باب علم حكى ذلك الخفاجي عن أهل اللغة.
وفي"البحر"أسن الماء تغير ريحه يأسن ويأسن ذكره ثعلب في الفصيح ، والمصدر أسون ، وأسن بسكر السين يأسن بفتحها لغة أسنا قاله اليزيدي ، وأسن الرجل بالكسر لا غير إذا دخل البئر فأصابته ريح منتنة منها فغشي عليها أو دار رأسه ومنه قول الشاعر:
قد أترك القرن مصفراً أنامله...
يميد في الريح ميد المائح الأسن
وقرأ ابن كثير.
وأهل مكة {ءاسِنٍ} على وزن حذر فهو صفة مشبهة أو صيغة مبالغة ، وقرأ {يسن} بالياء قال أبو علي: وذلك على تخفيف الهمزة {ءاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} لم يحمض ولم يصر قارصاً ولا حذاراً كألبان الدنيا وتغير الريح لا يفارق تغير الطعم {وأنهار مّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ للشاربين} أي لذيذة لهم ليس فيها كراهة طعم وريح ولا غائلة سكر وخمار كخمور الدنيا فإنها لا لذة في نفس شربها وفيها من المكاره والغوائل ما فيها وهي صفة مشبهة مؤنث لذ وصفت بها الخمر لأنها مؤنثة وقد تذكر أومصدر نعت به بتقدير مضاف أو بجعلها عين اللذة مبالغة على ما هو المعروف في أمثال ذلك ؛ وقرئت بالرفع على أنها صفة {أَنْهَارٌ} وبالنصب على أنها مفعول له أي كائنة لأجل اللذة لا لشيء آخر من الصداع وسائر آفات خمور الدنيا {وأنهار مّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} مما يخالفه فلا يخالطه الشمع وفضلات النحل وغيرها ، ووصفه بمصفى لأن الغالب على العسل التذكير وهو مما يذكر ويؤنث كما نص عليه أبو حيان.
وغيره ، وهذا على ما قيل تمثيل لما يجري مجرى الأشربة في الجنة بأنواع ما يستطاب منها أو يستلذ في الدنيا بالتخلية عما ينقصها وينغصها والتحلية بما يوجب غزارتها ودوامها.