وقيل: المثل هو المعروف، والتقدير: مثل الجنة التي وعد المتقون جناتٌ فيها أنهار، فحذف جنات، وهذا ليس بالمتين، لأن الموصوف إذا كانت صفته جملة لا يجوز حذفه عند أصحابنا البصريين، و (جناتٌ) موصوف، و {فِيهَا أَنْهَارٌ} صفته، وهي جملة.
وقيل: {مَثَلُ} صلة، والتقدير: الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار، فـ (الجنةُ) مبتدأ، و {فِيهَا أَنْهَارٌ} خبره.
وعن الكسائي تقديره: مثل أصحاب الجنة التي وعد المتقون كذلك، فـ {مَثَلُ الْجَنَّةِ} على هذا مبتدأ، و {كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ} الخبر، فاعرفه.
وقوله: {فِيهَا أَنْهَارٌ} يجوز أن يكون داخلًا في حكم الصلة كالتكرير لها، ألا ترى أنك لو قلت: التي فيها أنهار، لكان أَسَد كلام. وأن يكون خبر مبتدأٍ محذوف، أي: هي فيها أنهار، على تقدير سؤال سائل: وما
مِثْلها؟ فقيل: فيها أنهار. وأن يكون في موضع الحال، أي: مستقرة فيها أنهار.
وفي قراءة ابن عباس وعلي رضي الله عنهما: (أمثال الجنة) . قال أبو الفتح: هذه القراءة دليل على أن القراءة العامة التي هي (مَثَلُ) بالتوحيد لفظ الواحد في معنى الكثرة، وذلك لما فيه من معنى المصدرية، انتهى كلامه.
وقوله: {مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ} أي: متغير، يقال: أَسِنَ الماء وأَجِنَ، إذا تغير، وقرئ: (آسِنٍ) بالمد، و (أَسِنٍ) بالقصر، وكلاهما اسم فاعل من أَسِنَ غير أن بينهما فُرَيْقًا، وذلك أن القصر للحال، والمد للمآل، كما تقول: هو غَوِرٌ الآن، وغاور غدًا، فاعرفه فإنه من فُرقان أبي الحسن.
وقوله: {لَذَّةٍ} فيها وجهان:
أحدهما: تأنيث لَذٍّ وهو بمعنى لذيذ، كطَبٍّ بمعنى طبيب، يقال: شرابٌ لَذٌّ ولَذيذٌ، بمعنىً.
والثاني: مصدر وصف به، والتقدير: ذات لذة، فحذف المضاف، أو جعلت عينها لذة للمبالغة.
والجمهور على جر {لَذَّةٍ} على الصفة للخمر، أي: من خمر لذيذة الطعم، طيبة الشرب، لا يكرهها شاربها، تُطرب ولا تُسكر.
وقرئ: (لذةٌ) بالرفع على الصفة للأنهار. و (لذةً) بالنصب على العلة، أي: لأجل لذة الشاربين، وهذه القراءة تعضد قول من قال: إنها مصدر.