ما يُؤتَى الإنسانُ إلا من قِبَل نفسِهِ ولا يصيبُهُ المكروهُ إلا من تفريطِهِ في
حق ربه عز وجل.
قال علي - رضي الله عنه -: لا يَرْجوَن عبد إلاْ رَّبهُ ، ولا يخافنَّ إلا ذنبَهُ.
وقال بعضُهم: من صَفَى صُفّي لهُ ، ومن خلطَ خُلِّط عليهِ.
وقال مسروقٌ: من راقبَ اللهَ في خطراتِ قلبِهِ عصمَهُ اللَّهَ في حركاتِ
جو ارِحِهِ.
وبسطُ هذا المعنى يطولُ جدًّا ، وفيمَا أشرْنَا إليه كفايةٌ ، وللهِ الحمدُ.
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ(17)
ثم قال البخاري - رحمه اللَّه -: وَيَزيدُ وينقصُ.
قال اللَّه عزَّ وجلَّ: (لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ) ، (وَزِدْناهُمْ هُدًى) .
(وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى) ، (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) ، (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنوا إِيمَانًا) .
وقوله عزَّ وجلَّ: (أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا) .
وقوله: (فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا) .
وقوله: (وَمَا زَادَهُم إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) .
زيادة الإيمان ونقصانه ؛ قولُ جمهورِ العلماءِ.
وقد رُوي هذا الكلامُ عن طائفة من الصحابةِ ، كأبي الدرداءٍ ، وأبي هريرةَ.
وابنِ عباسٍ ، وغيرِهم من الصحابةِ.
ورويَ معناه عن علي وابنِ مسعودٍ - أيضًا.
وعن مجاهدٍ وغير من التابعينَ.
وتوقَّف بعضُهُم في نقصِهِ ، فقالَ: يزيدُ ، ولا يقالُ: ينقصُ.
ورويَ ذلكَ عن مالكٍ ، والمشهورُ عنه كقولِ الجماعةِ.
وعن ابنِ المباركِ ، قالَ: الإيمانُ يتفاضلُ.
وهو معنى الزيادة والنقصِ.
وقد تلا البخاريُّ الآياتِ التي فيها ذكرُ زيادةِ الإيمانِ.
وقد استدلَّ بِهَا علَى زيادةِ الإيمانِ أئمةُ السَّلفِ قديمًا ، منهُم:
عطاءُ بنُ أبي رباح فمن بعدَه.
وتلا البخاريُّ - أيضًا - الآياتِ التي ذكَرَ فيهَا زيادةَ الهُدَى ؛ فإنَّ المرادَ
بالهُدَى هنا فعلُ الطاعاتِ ، كما قالَ تعالى بعد وصفِ المتقينَ بالإيمانِ بالغيبِ.
وإقامِ الصلاةِ ، والإنفاقِ مما رزقَهُم ، وبالإيمانِ بما أُنزلَ إلى محمدٍ وإلى مَنْ
قبلَهُ ، وباليقينِ بالآخرةِ ، ثم قالَ: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِهِمْ) .
فسمَّى ذلكَ كلَّه هدًى ، فمن زادتْ طاعاتُهُ فقد زادَ هداهُ.
ولما كانَ الإيمانُ يدخلُ فيه المعرفةُ بالقلبِ ، والقولُ والعملُ كلُّه ، كانتْ
زيادتُهُ بزيادةِ الأعمالِ ، ونقصانُهُ بنقصانِهَا.