والثاني: النهي عن استعجاله؛ كقوله: (وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ) ، كأنه يقول: ليس ذلك إليك، إنما ذلك إليَّ: إن شئت أنزلت في حياتك وأريتك ذلك، وإن شئت أمتك ولم أرك شيئًا من ذلك، وهو كما قال: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ...) الآية.
وقال قتادة في ذلك: إن اللَّه - تعالى - أذهب نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وأبقى النقمة بعده، ولم يره في أمته إلا الذي تقر به عينه، وليس نبي أو رسول إلا وقد رأى في أمته العقوبة غير نبيكم، عافاه اللَّه - تعالى - عن ذلك، ولا أراه إلا ما يقر به عينه، قال: وذكر لنا أن نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أري الذي تلقى أمته من بعده، فما زال إلا منقبضًا ما استشاط ضحكًا حتى لحق بالله تعالى.
وقال الحسن قريبًا من قول قتادة في قوله - تعالى -: (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ) قال: أكرم اللَّه - تعالى - نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أن يريه في أمته ما يكره، ورفعه اللَّه - تعالى - وبقيت النقمة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(43)
الوحي إلى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من وجوه ثلاثة:
أحدها: القرآن، وهو الظاهر من الوحي إليه.
والثاني: وحي بيان، يبين للناس ما لهم وما لله عليهم، وما لبعضهم على بعض على لسان الملك جبريل أو غيره؛ على ما أراد اللَّه تعالى.