قال أبو علي: الكلمة تقع مفردة على الكثرة ، فإذا كان كذلك استغني فيها عن الجمع كما تقول: غمّني قيامكم وقعودكم ، وقال: لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا [الفرقان / 14] وقال: إن أنكر الأصوات لصوت الحمير [لقمان / 19] وأفرد الصوت ، مع الإضافة إلى الكثرة ، وكذلك الكلمة .
وقد قالوا: قسّ في كلمته ، يريدون في خطبته ، ومن جمع فلأنّ
هذه الأشياء ، وإن كانت تدلّ على الكثرة قد تجمع إذا اختلفت أجناسه ، قال: وصدقت بكلمات ربها [التحريم / 12] وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن [البقرة / 124] فالكلمات في قوله:
وصدقت بكلمات ربها واللَّه أعلم ، يراد بها: شرائعه ، لأنّ كتبه قد ذكرت .
[غافر: 21]
وقرأ ابن عامر وحده: كانوا هم أشد منكم قوة [غافر / 21] بالكاف وكذلك في مصاحفهم .
وقرأ الباقون: أشد منهم ، وكذلك في مصاحفهم .
من قرأ: أشد منهم قوة فأتى بلفظ الغيبة فلأنّ ما قبله من قوله:
أولم يسيروا فِي الأرض فينظروا [غافر / 21] من قبلهم ، على لفظ الغيبة ، فكذلك يكون قوله: كانوا هم أشد منهم قوة على الغيبة ، ليكون موافقا لما قبله من ألفاظ الغيبة . فهذا البين .
وأمّا من قال: كانوا هم أشد منكم بعد ما ذكرناه من ألفاظ الغيبة فعلى الانصراف من الغيبة إلى الخطاب ، كقولك: إياك نعبد [الفاتحة / 4] بعد قوله: الحمد لله [الفاتحة / 1] وحسن الخطاب هنا ، لأنّه خطاب فيما أرى لأهل مكّة ، فحسن الخطاب بحضورهم ، فجعل الخطاب على لفظ الحاضر المخاطب ، وهذه الآية في المعنى مثل قوله: مكناهم في الأرض ما لم نمكن [الأنعام / 6] ومثل قوله:
أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها [الروم / 9] .
وهذه كلّها على لفظ الغيبة ففيها ترجيح لمن قرأ هذه التي في المؤمن على لفظ الغيبة دون الخطاب .