شرفاً به قد خَصّه التفضيلُ
وعن الأصمعي قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح ، فقال: يا أصمعي أين عَزَب عنك عقلك! ومتى كان إسحاق بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكة ، وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الذبيح إسماعيل والأوّل أكثر عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه وعن التابعين.
واحتجوا بأن اللّه عز وجل قد أخبر إبراهيم حين فارق قومه ، فهاجر إلى الشام مع امرأته سارّة وابن أخيه لوط فقال: {إِنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات: 99] أنه دعا فقال:"رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ"فقال تعالى: {فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [مريم: 49] ؛ ولأن اللّه قال:"وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ"فذكر أن الفداء في الغلام الحليم الذي بُشِّر به إبراهيم وإنما بُشِّر بإسحاق ؛ لأنه قال: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ} ، وقال هنا:"بِغُلامٍ حَلِيمٍ"وذلك قبل أن يتزوّج هاجر وقبل أن يولد له إسماعيل ، وليس في القرآن أنه بُشر بولد إلا إسحاق.
احتج من قال إنه إسماعيل: بأن اللّه تعالى وصفه بالصبر دون إسحاق في قوله تعالى: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الكفل كُلٌّ مِّنَ الصابرين} [الأنبياء: 85] وهو صبره على الذبح ، ووصفه بصدق الوعد في قوله: {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوعد} [مريم: 54] ؛ لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفّى به ؛ ولأن اللّه تعالى قال: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً} فكيف يأمره بذبحه وقد وعده أن يكون نبيًّا ، وأيضاً فإن اللّه تعالى قال: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71] فكيف يؤمر بذبح إسحق قبل إنجاز الوعد في يعقوب.