وظاهر اللفظ دل على أنه رأى في المنام أنه يذبح ابنه، والتفسير يدل على أنه رأى في المنام ما يوجب أنه يذبح ابنه في اليقظة، فيكون تقدير اللفظ: إني أرى في المنام ما يوجب أني أذبحك، فموجب الذبح رُئِيَ في المنام لا الذبح، وذكر في الظاهر أنه رأي الذبح لأن موجب الذبح كأنه رأى الذبح حيث لا يجوز له أن يخالف ذلك، ألا ترى أن ابنه قال له: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} فدل أنه أمر في المنام بذبح ابنه. وقد صرح مقاتل بما ذكر فقال: يقول إني أمرت في المنام أني أذبحك.
وقال ابن قتيبة: (لم يرد أنه ذبحه في المنام، ولكنه أمر في المنام بذبحه، فقال: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} أي: أني سأذبحك، ومثل هذا رجل رأى في المنام أنه يؤذن، والأذن دليل الحج، فقال: إني رأيت في المنام أني أحج أي سأحج) .
واختلفوا في الذبيح من هو من ابني إبراهيم. فالأكثرون على أنه إسحاق، وهو قول علي وابن مسعود وكعب وقتادة ومجاهد في بعض الروايات وعكرمة وابن عباس، وهؤلاء قالوا: كانت هذه القصة بالشام.
وقال سعيد بن جبير لما رأى إبراهيم في المنام ذبح إسحاق، سار به مسيرة شهر في غداة واحدة، حتى أتى المنحر، فلما صرف الله عنه الذبح وذبح الكبش، سار به مسيرة شهر في غداة واحدة طويت له الأودية والجبال.
وقال آخرون: الذي أمر بذبحه إسماعيل، وهو قول سعيد بن المسيب والشعبي والحسن ومجاهد في رواية ابن أبي نجيح، وابن عباس في رواية عطاء، وعامر ومجاهد بن كعب ومحمد بن إسحاق. وسياق هذه الآيات تدل على أنه إسحاق لأنه قال: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} ، ولا خلاف أن هذا إسحاق. قال: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} فعطف بقصة الذبح على ذكر إسحاق، وقوله بعد ذكر هذه القصة: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ} قال عكرمة: بشر بنبوته.