فَأَمَّا كَلِمَةُ إبْرَاهِيمَ فَهِيَ قَوْلُهُ أَذْبَحُك ، وَهُوَ خَبَرٌ لَا أَمْرٌ ، وَأَمَّا كَلِمَةُ إسْمَاعِيلَ: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} وَهُوَ أَمْرٌ ، وَقَوْلُ إبْرَاهِيمَ: {إنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُك} وَإِنْ كَانَتْ [صِيغَتُهُ] صِيغَةَ الْخَبَرِ فَإِنَّ مَعْنَاهَا الْأَمْرُ ضَرُورَةً ؛ لِأَنَّ لَوْ كَانَ عِبَارَةً عَنْ خَبَرٍ وَاقِعٍ لَمَا كَانَ لَهُ تَأْوِيلٌ يُنْتَظَرُ ، وَإِنَّمَا هُوَ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ ، وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ ضَرُورَةً.
فَقَالَ إسْمَاعِيلُ لِأَبِيهِ إبْرَاهِيمَ: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} ؛ فَعَبَّرَ عَنْ نَفْسِهِ بِالِانْقِيَادِ إلَى مَعْنَى خَبَرِ أَبِيهِ ، وَهُوَ الْأَمْرُ ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قَدْ صَدَّقْت الرُّؤْيَا} حِينَ تَيَسَّرَا لِلْعَمَلِ ، وَأَقْبَلَا عَلَى الْفِعْلِ ؛ فَكَانَ صَدَقَهَا
ذِبْحُهَا مَكَانَهَا ، وَهُوَ الْفِدَاءُ ، وَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا فِي الْمَعْنَى ضَرُورَةً ، فَكَانَ مَا كَانَ مِنْ إبْرَاهِيمَ امْتِثَالًا ، وَمِنْ إسْمَاعِيلَ انْقِيَادًا ، وَوُضِّحَتْ الْمَعَانِي بِحَقِيقَتِهَا ، وَجَرَتْ الْأَلْفَاظُ عَلَى نِصَابِهَا لِصَوَابِهَا ، وَلَمْ يُحْتَجْ إلَى تَأْوِيلٍ فَاسِدٍ يَقْلِبُ الْجِلْدَ نُحَاسًا أَوْ غَيْرَهُ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ لَمَّا قَرَّرْنَا حَظَّ التَّفْسِيرِ وَالْأُصُولِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَرَكَّبَتْ عَلَيْهَا مَسْأَلَةٌ مِنْ الْأَحْكَامِ ، وَهُوَ إذَا نَذَرَ الرَّجُلُ ذَبْحَ وَلَدِهِ.
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هِيَ مَعْصِيَةٌ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ كَلِمَةٌ يَلْزَمُهُ بِهَا ذَبْحُ شَاةٍ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ: يَلْزَمُهُ ذَبْحُ شَاةٍ فِي تَفْصِيلٍ بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ.