ثم أثنى - سبحانه - على ذاته بما هو أهل له من ثناء فقال: سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ، وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ.
ولفظ: سُبْحانَ اسم مصدر منصوب على أنه مفعول مطلق بفعل محذوف، والتقدير:
سبحت الله سبحانا: أي: تسبيحا. بمعنى نزهته تنزيها عن كل سوء، وعظمته تعظيما.
و «من» في الآية الكريمة للبيان.
أي: ننزه الله - تعالى - تنزيها عن كل سوء. ونعظمه تعظيما لا نهاية له، فهو - عز وجل - الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها أي: الأنواع، والأصناف كلها ذكورا وإناثا.
مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ أي: خلق الأصناف كلها التي تنبت في الأرض من حبوب وغيرها.
وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ أي: وخلقها من أنفسهم إذ الذكر من الأنثى، والأنثى من الذكر.
وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ أي: وخلق هذه الأصناف كلها من أشياء لا علم لهم بها، وإنما مرد علمها إليه وحده - تعالى - كما قال - سبحانه - وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ.
فالمقصود من الآية الكريمة بيان لمظهر من مظاهر قدرته - تعالى - وبديع خلقه، حيث خلق الأصناف كلها، نرى بعضها نابتا في الأرض، ونرى بعضها متمثلا في الإنسان المكون من ذكر وأنثى، وهناك مخلوقات أخرى لا يعلمها إلا الله - تعالى - .
وبعد أن بين - سبحانه - مظاهر قدرته عن طريق التأمل في الأرض التي نعيش عليها، عقب ذلك ببيان مظاهر قدرته عن طريق التأمل في تقلب الليل والنهار، وتعاقب الشمس والقمر، فقال - تعالى -: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ. فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ.
وقوله: نَسْلَخُ من السلخ بمعنى الكشط والإزالة، يقال: سلخ فلان جلد الشاة، إذا أزاله عنها.
والمراد هنا: إزالة ضوء النهار عن الليل، ليبقى لليل ظلمته.
قال صاحب الكشاف: سلخ جلد الشاة، إذا كشطه عنها وأزاله. ومنه: سلخ الحية
لخرشائها - أي: لجلدها - فاستعير ذلك لإزالة الضوء وكشفه عن مكان الليل، وملقى ظله.