ولو قيل: حملناهم لكان امتنانا بمجرد تخليص أنفسهم من الغرق، وجعل السفن مخلوقة لله تعالى مع كونها من مصنوعات العباد، ليس لمجرد كونها صنعتهم بإقدار الله تعالى وإلهامه، بل لمزيد اختصاص أهلها بقدرته تعالى وحكمته، حسبما يعرب عنه قوله تعالى: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا} .
والتعبير عن ملابستهم بهذه السفن بالركوب؛ لأنها باختيارهم، كما أن التعبير عن ملابسة ذريتهم، بفلك نوح، بالحمل، لكونها بغير شعور منهم واختيار.
وأما قوله تعالى في سورة المؤمنين: {وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22) } فبطريق التغليب.
وجعل بعضهم المعنى الثاني أظهر؛ لأنه إذا أريد بمثل الفلك: الإبل لكان قوله: {وَخَلَقْنا لَهُمْ} إلخ، فاصلًا بين متصلين، لأن قوله: {وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ} متصل بالفلك. واعتذر عنه في الإرشاد بأن حديث خلق الإبل في خلال الآية بطريق الاستطراد، لكمال التماثل بين الإبل والفلك، فكأنها نوع منه.
والمعنى: ومن آيات قدرته الدالة على رحمته بعباده، أن جعل أولادهم يركبون السفن الموقرة، بسائر السلع التي ينقلونها من بلد إلى آخر، ليستفيدوا مما تحمله من الأقوات وسائر حوائجهم المعيشية، ولولا ذلك لما بقي للآدمي نسل، ولا عقب من بعده.
ونحو الآية قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (31) } .
{وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (42) } ؛ أي: وخلقنا من مثل تلك السفن البحرية، سفنا برية، وهي الإبل التي تسير في الصحاري، كما قال شاعرهم:
سَفائِنُ برٍّ والسَّرابُ بِحَارُهَا
ونحوها قطر السكك الحديدية، والسيارات والسفن الهوائية من مطاود، وطائرات تسير في الجو حاملة للناس السلع المختلفة. والذخائر الحربية، ومن جراء هذا لم يعين الكتاب الكريم، ما يركبون لما سيظهر في عالم الوجود، مما هو مخبأ في صحيفة الغيب.
وهذا من إعجاز الكتاب الكريم. ونحو الآية: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (8) } .