قوله: {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} [فاطر: 11] أي: ثم خلقكم من نطفة، يشير إلى أنه خلقكم من أسفل المخلوقات وهي النطفة؛ لأن التراب نزل دركة المركب ثم دركة النباتية ثم دركة الحيوانية ثم دركة الإنسانية، ثم دركة النطفة، فهي أسفل سافلين المخلوقات، وهي آخر خلق خلقه الله من أصناف المخلوقات كما أن أصناف آخر شيء على الشجرة آخر شيء يخلقه الله تعالى وهو البذر الذي يصلح أن يؤخذ من الشجرة، فالبذر آخر صنف خلق من أصناف أجزاء الشجرة.
وقوله: {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً} [فاطر: 11] يشير إلى ازدواج الروح والقالب، فالروح على أعلى مراتب القهر والقالب من أسفل دركات البعد، فبكمال القدرة والحكمة جمع بين أقرب الأقربين؛ ليكونا بالروح والفناء وأبعد الأبعدين ورتب للقالب على ظاهره الحواس الخمس وفي باطنه قوى البشرية ورتب للروح المدركات الروحانية؛ ليكون بالروح والقالب مدركاً لعالم الغيب والشهادة.
وبقوله: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} [فاطر: 11] يُشير إلى أن كل أنثى ووضع حملها إنما هو بتقديره وبعلمه بكيف وكيفية على وفق حكمته وإرادته {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ} إلا وله في تعميره إلى أجل يعمر بأمر حكمة بالغة {وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} أي: من عمره التام {إِلاَّ فِي كِتَابٍ} [فاطر: 11] أي: الحكمة في تمام عمر من عمَّر عمراً تاماً، وفي نقص من عمَّر عمراً ناقصاً في أيام أم الكتاب الذي عنده لا يزيد فيه ولا ينقص {إِنَّ ذَلِكَ} [فاطر: 11] أي: في رعاية تلك الحكمة وإمضائها {عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} .