قال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً} [فاطر: 10] أي: لا تطلب العزة من غير الله؛ لأنه ذليل أيضاً لله فبقدر قطع النظر عن الأشياء وطلب العزة منه ينقص ذلة العبد ويزيد عزته إلى أنه لا يبقى له الاحتياج إلى غير الله ولا يزيل الاحتياج والافتقار إلى غير الله من القلوب إلا بنفي لا إله، وإثبات إلا الله، فبالنفي يقطع تعلقاته عن الكونين، وبالإثبات يتوجه بالكلية إلى الحق تعالى، فإذا لم يبق له تعلق ترجع حقيقة الكلمة إلى الحضرة، كما أن النار تستنزل من الفلك الأثير باصطكاك الحجر والحديد، ثم يوقد بها شجرة فالنار تأكل الشجرة وتفنيها من الحطيبة وتبقيها بالنارية إلى أن تفنى الشجرة بالكلية فلما لم يبق من وجود الحطب شيء ترجع النار إلى الأثير وهذا سر قول الله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] .
والعمل الصالح هو أركان الشريعة فأول ركن منها كمال استنزال نار نور الله من أثير الحضرة باصطكاك حديد"لا إله إلا الله"وحجر القلب القاسي فلما وقعت النار في شجرة الوجود الإنساني عمل العبد بركن من الأركان الخمسة التي بني الإسلام عليها، والأركان الأربعة الباقية هي العمل الصالح الذي يقلع أصل الشجرة من أرض الدنيا ويقطعها قطعاً تستعد به لقبولها النار واشتعالها بالنار واحتراقها بها لتقع النار إلى أن تحترق الشجرة بالكلية، وترفع بالعبور عن الشجرة إلى أثير الحضرة ولما كانت الشجرة مشتعلة بتلك النار آنس موسى عليه السلام من جانب الطور ناراً {فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ} [القصص: 30] على لسان الشعلة: {إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص: 30] تأمله تفهم إن شاء الله تعالى.