أي أخرت ، وفي هذا كرامة لأُمة محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال لهم: {أَوْرَثْنَا} وقال: لسائر الأُمم {وَرِثُواْ الكتاب} [الأعراف: 169] الآية يعني القرآن.
{الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا} وهم أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) . ثم قسمهم ثلاث طبقات ورتبهم على ثلاث درجات فقال الله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ} قيّد اللفظ وعَلّق الظلم بالنفس ؛ فلذلك ساغ أن يكون من أهل الاصطفاء مع ظلمه.
فإن قيل: ما وجه الحكمة في تقديم الظالم وتأخير السابق وإنما يقدم الأفضل؟
فالجواب عنه أن نقول: إنما أُخر السابق ليكون أقرب إلى الجنان والثواب ، كما قدم الصوامع والبيع والصلوات في سورة الحج على المساجد التي هي أفضل بقاع الأرض ، فتكون الصوامع أقرب إلى الهدم والخراب وتكون المساجد أقرب إلى ذكر الله تعالى.
ومنهم من قال: إنما جعل ذلك ؛ لأن الملوك إذا أرادوا الجمع بين الأشياء بالذكر قدموا الأدنى على الأفضل . كقوله تعالى: {َإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب} [الرعد: 6] {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام: 165] [الأعراف: 167] ، وقال: {يُولِجُ الليل فِي النهار} [الحج: 61] ، وقال: {يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذكور} [الشورى: 49] وقال: {خَلَقَ الموت والحياة} [الملك: 2] .
وقيل: قدم الظالم لئلا ييأس من رحمته وأخر السابق لئلا يعجب بعمله.
وقال جعفر الصادق (عليه السلام) :"بدأ بالظالم إخباراً أنه لا يتقرب إليه إلاّ بصرف رحمته وكرمه ، وأنّ الظلم لا يؤثّر في الاصطفائية ثم ثنى بالمقتصدين ؛ لأنهم بين الخوف والرجاء ، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكر الله وكلّهم في الجنة بحرمه كلمة الإخلاص".