يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ أي أنهم يدخلون الجنات دخولا دائما، وهم في تلك الجنات يتزينون بأجمل الزينات، وبأفخر الملابس، حيث يلبسون في أيديهم أساور من ذهب ولؤلؤا، أما ثيابهم فهي من الحرير الخالص.
ثم حكى - سبحانه - ما يقولونه بعد فوزهم بهذا النعيم فقال: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ.
والحزن: غم يعترى الإنسان لخوفه من زوال نعمة هو فيها. والمراد به هنا: جنس الحزن الشامل لجميع أحزان الدين والدنيا والآخرة.
أي: وقالوا عند دخولهم الجنات الدائمة، وشعورهم بالأمان والسعادة والاطمئنان:
الحمد لله الذي أذهب عنا جميع ما يحزننا من أمور الدنيا أو الآخرة.
إِنَّ رَبَّنا بفضله وكرمه لَغَفُورٌ شَكُورٌ أي: لواسع المغفرة لعباده ولكثير العطاء للمطيعين، حيث أعطاهم الخيرات الوفيرة في مقابل الأعمال القليلة. الَّذِي أَحَلَّنا دارَ
الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ أي: الحمد لله الذي أذهب عنا الأحزان بفضله ورحمته، والذي أَحَلَّنا أي: أنزلنا دارَ الْمُقامَةِ أي: الدار التي لا انتقال لنا منها، وإنما نحن سنقيم فيها إقامة دائمة وهي الجنة التي منحنا إياها بفضله وكرمه.
وهذه الدار لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ أي: لا يصيبنا فيها تعب ولا مشقة ولا عناء.
يقال: نصب فلان - كفرح - إذا نزل به التعب والإعياء.
وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ أي: ولا يصيبنا فيها كلال وإعياء بسبب التعب والهموم، يقال: لغب فلان لغبا ولغوبا. إذا اشتد به الإعياء والهزال.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما الفرق بين النصب واللّغوب؟
قلت: النصب، التعب والمشقة، التي تصيب المنتصب للأمر، المزاول له.
وأما اللغوب، فما يلحقه من الفتور بسبب النصب. فالنصب: نفس المشقة والكلفة.
واللغوب: نتيجة ما يحدث منه من الكلال والفتور».
وبعد هذا البيان البليغ الذي يشرح الصدور لحسن عاقبة المفلحين، ساقت السورة الكريمة حال الكافرين، وما هم فيه من عذاب مهين، فقال - تعالى -:
[سورة فاطر (35) : الآيات 36 إلى 38]