قيل له: وما برهانك على أن ذلك كذلك من خبر أو عقل؟ فإن قال: قيام الحجة أن الظالم من هذه الأمة سيدخل النار، ولو لم يدخل النار من هذه الأصناف الثلاثة أحد، وجب أن لا يكون لأهل الإيمان وعيد.
قيل: إنه ليس في الآية خبر أنهم لا يدخلون النار، وإنما فيها إخبار من الله - تعالى - أنهم يدخلون جنات عدن: وجائز أن يدخلها الظالم لنفسه بعد عقوبة الله إياه على ذنوبه التي أصابها في الدنيا ... ثم يدخلون الجنة بعد ذلك، فيكون ممن عمه خبر الله - تعالى - بقوله:
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها.
وقال الشوكاني: والظالم لنفسه: هو الذي عمل الصغائر. وقد روى هذا القول عن عمر، وعثمان، وابن مسعود، وأبى الدرداء، وعائشة. وهذا هو الراجح، لأن عمل الصغائر لا ينافي الاصطفاء، ولا يمنع من دخول صاحبه مع الذين يدخلون الجنة يحلون فيها من أساور ... ووجه كونه ظالما لنفسه، أنها نقصها من الثواب بما فعل من الصغائر المغفورة له، فإنه لو عمل مكان تلك الصغائر طاعات، لكان لنفسه فيها من الثواب حظا عظيما .. .
قالوا: وتقديم الظالم لنفسه على المقتصد وعلى السابق بالخيرات. لا يقتضى تشريفا، كما في قوله - تعالى - لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ ...
ولعل السر في مجيء هذه الأقسام بهذا الترتيب، أن الظالمين لأنفسهم أكثر الأقسام عددا، ويليهم المقتصدون، ويليهم السابقون بالخيرات، كما قال - تعالى - وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ.
وقوله: بِإِذْنِ اللَّهِ أي: بتوفيقه وإرادته وفضله.
واسم الإشارة في قوله: ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ يعود إلى ما تقدم من توريث الكتاب ومن الاصطفاء.
أي: ذلك الذي أعطيناه - أيها الرسول الكريم - لأمتك من الاصطفاء ومن توريثهم الكتاب، هو الفضل الواسع الكبير، الذي لا يقادر قدره، ولا يعرف كنهه إلا الله - تعالى - .
ثم بين - سبحانه - مظاهر هذا الفضل فقال: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها والضمير للأنواع الثلاثة.
أي: هؤلاء الظالمون لأنفسهم والمقتصدون والسابقون بالخيرات، ندخلهم بفضلنا ورحمتنا، الجنات الدائمة التي يخلدون فيها خلودا أبديا.
يقال: عدن فلان بالمكان، إذا أقام به إقامة دائمة.