ثم أخبر عقب هذا بأن الحق هو السبب في خلق السماوات والأرض ؛ وأما على أن يكون {في أنفسهم} ظرفاً للفكرة في خلق السماوات والأرض ، فيكون {في أنفسهم} توكيداً لقوله: {يتفكرون} ، كما تقول: أبصر بعينك واسمع بأدنك.
وقال الزمخشري: في هذا الوجه كأنه قال: أو لم يحدثوا التفكر في أنفسهم؟ أي في قلوبهم الفارغة من الفكر.
والفكر لا يكون إلا في القلوب ، ولكنه زيادة تصوير لحال المتفكرين ، كقولك: اعتقده في قلبك وأضمره في نفسك.
وقال أيضاً: يكون صلة المتفكر ، كقولك: تفكر في الأمر وأجال فكره.
و {ما خلق الله} متعلق بالقول المحذوف ، معناه: أو لم يتفكروا ، فيقولوا هذا القول؟ وقيل معناه: فيعلموا ، لأن في الكلام دليلاً عليه. انتهى.
والدليل هو قوله: {أو لم يتفكروا} .
وقيل: {أو لم يتفكروا} متصل بما بعده ، ومثله: ثم {يتفكروا ما بصاحبهم من جنة} ومثله: {وظنوا ما لهم من محيص} فيكون في بمعنى الباء ، ثم {يتفكروا ما بصاحبهم من} ، كأنه قال: أو لم يتفكروا بقلوبهم فيعلموا. انتهى.
ويجوز أن يكون تفكروا هنا معلقة ، ومتعلقها الجملة من قوله: {ما خلق} إلى آخرها.
و {في أنفسهم} : ظرف على سبيل التأكيد ، لأن الفكر لا يكون إلا في النفس ، كما أن الكتابة لا تكون إلا باليد.
و {بالحق} : في موضع الحال ، أي وهي ملتبسة بالحق مقترنة به ، وبتقدير أجل مسمى لا بد لها أن تنتهي إليه وهو: قيام الساعة ، ووقت الحساب والثواب والعقاب.
ألا ترى إلى قوله: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون} كيف سمى تركهم غير راجعين إليه عبثاً؟ والمراد بلقاء ربهم: الأجل المسمى.
وقال ابن عطية: {إلا بالحق} ، أي بسبب المنافع التي هي حق واجب ، يريد من الدلالة عليه والعبادة له دون فتور ، والانتصار للعبرة ومنافع الإرفاق وغير ذلك.
{وأجل} عطف على الحق ، أي وبأجل مسمى ، وهو يوم القيامة.