ألا ترى أن الذين قرأوا غلبت بفتح الغين هم الذين قرأوا سيغلبون بضم الياء وفتح اللام ، وليست هذه مخصوصة بابن عمر؟ وقرأ الجمهور: غلبهم ، بفتح الغين واللام: وعلي ، وابن عمر ، ومعاوية بن قرة: بإسكانها ؛ والقياس عن ابن عمر: وغلابهم ، على وزن كتاب.
والروم: طائفة من النصارى ، وأدنى الأرض: أقربهما: فإن كانت الواقعة في أذرعات ، فهي أدنى الأرض بالنظر إلى مكة ، وهي التي ذكرها امرؤ القيس في قوله:
تنوّرتها من أذرعات وأهلها ...
بيثرب أدنى دارها نظر عال
وإن كانت بالجزيرة ، فهي أدنى بالنظر إلى أرض كسرى.
فإن كانت بالاردن ، فهي أدنى بالنظر إلى أرض الروم.
وقرأ الكلبي: {في أدنى الأرض} ، وتقدم الكلام في مدلول البضع باعتبار القراءتين.
ففي غلبت ، بضم الغين ، يكون مضافاً للمفعول ؛ وبالفتح ، يكون مضافاً للفاعل ، ويكون المعنى: سيغلبهم المسلمون في بضع سنين ، عند انقضاء هذه المدة التي هي أقصى مدلول البضع.
أخذ المسلمون في جهاد الروم ، وكان شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير يحكي عن أبي الحكم بن برجان أنه استخرج من قوله تعالى: {الم ، غلبت الروم} إلى قوله: {في بضع سنين} ، افتتاح المسلمين بيت المقدس ، معيناً زمانه ويومه ، وكان إذ ذاك بيت المقدس قد غلبت عليه النصارى ، وأن ابن برجان مات قبل الوقت الذي كان عينه للفتح ، وأنه بعد موته بزمان افتتحه المسلمون في الوقت الذي عينه أبو الحكم.
وكان أبو جعفر يعتقد في أبي الحكم هذا ، أنه كان يطلع على أشياء من المغيبات يستخرجها من كتاب الله.
{لله الأمر} : أي إنفاذ الأحكام وتصريفها على ما يريد.
وقرأ الجمهور: {من قبل ومن بعد} ، بضمهما: أي من قبل غلبة الروم ومن بعدها.
ولما كانا مضافين إلى معرفة ، وحذفت بنيا على الضم ، والكلام على ذلك مذكور في علم النحو.
وقرأ أبو السمال ، والجحدري ، وعون العقيلي: من قبل ومن بعد ، بالكسر والتنوين فيهما.