فجَمْع المتقابلين يزيد من فَرْحة المؤمن ، ويزيد من حَسْرة الكافر .
ومعنى {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الجنة غُرَفَاً ...} [العنكبوت: 58] أي: نُنزلهم ونُمكِّنهم منها ، كما جاء في قوله تعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ المؤمنين مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ...} [آل عمران: 121] يعني: تُنزِلهم أماكنهم .
والجنة تُطلق على الأرض ذات الخضرة والأشجار والأزهار في الدنيا ، كما جاء في قوله سبحانه: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ...} [البقرة: 266] .
وقوله سبحانه: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة ...} [القلم: 17] .
وقوله سبحانه: {واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ ...} [الكهف: 32] .
فإذا كانت جنة الدنيا على هذه الصورة من الخِصْب والنماء والجمال ، وفيها أسباب القُوت والترف ، إذا كان ذلك في دنيا الأسباب التي نراها ، فما بالك بما أعدَّه الله لخَلْقه في الآخرة؟
ومن عجائب الجنة أنها {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ...} [العنكبوت: 58] ونحن نعرف أن أنهار الدنيا تجري خلالها عبر الشُّطان التي تحجز الماء ، أمّا في الجنة فتجري أنهارها بلا شُطآن .
لذلك لما كنا نسافر إلى بلاد المدنية والتقدّم ، ونرى زخارف الحياة وترفها كنتُ أقول لمن معي: خذوا من هذا النعيم عِظَة ، فهو ما أعدَّه البشر للبشر ، فما بالكم بما أعدَّه ربُّ البشر للبشر؟