كما أننا نلحظ في قوله سبحانه {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت ...} [العنكبوت: 57] بعد {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ ...} [العنكبوت: 56] أن الخواطر التي يمكن أن تطرأ على النفس البشرية حين يُشرِّع الله أمراً يهيج هذه الخواطر مثل {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ ...} [العنكبوت: 56] وما تثيره في النفس من حب الجمع والتملّك يجعل لك مع الأمر ما يهبِّط هذه الخواطر .
{كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت ...} [العنكبوت: 57] حتى لا نطمعَ في حطام الدنيا ، ويُلهينا إغراء المال والهجرة لجمعه ، فالنهاية بعد ذلك كله الموت ، وفقدان كل ما جمعت .
وهذه القضية واضحة في قوله سبحانه: {إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا ...} [التوبة: 28] .
فلما أراد الله تعالى أن يُنهي وجود المشركين في البيت الحرام علم سبحانه أن المسلمين سيحسبون النتيجة المادية لمنع المشركين من دخول الحرم ، وأنها ستؤثر على تجارتهم وأرزاقهم في مواسم التجارة والحج .
لذلك قال بعدها مباشرة: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ ... .} [التوبة: 28] فساعةَ يقرأونها في التشريع يعلمون أن الله اطَّلع على ما في نفوسهم ، وجاءهم بالردِّ عليه حتى لا يتكلموا به ، وهذا يعني أن التشريع يأتي ليعالج كل خواطر النفس ، فلا ينزعك من شيء تخافه إلا ومع التشريع ما يُذهِب هذه المخاوف .
{والذين آمَنُواْ ...} .
هذه في مقابل: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين * يَوْمَ يَغْشَاهُمُ العذاب مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ...} [العنكبوت: 54 - 55] وذكر المقابل لزيادة النكاية بالكافرين ، كما يقول سبحانه: {إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: 13 - 14] .