وفي قوله سبحانه {فَإِيَّايَ فاعبدون} [العنكبوت: 56] أسلوب يُسمُّونه أسلوب قَصْر ، مثل قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] .
وفَرْق بين أنْ نقول: نعبدك . و (إياك نعبد) : نعبدك لا تمنع أنْ نعبد غيرك ، أمّا (إيَّاك نَعْبد) فتقصر العبادة على الله - عز وجل - ، ولا تتجاوزه إلى غيره .
فالمعنى - إذن: إنْ كنت ستهاجر فلتكُن هجرتك لله ، وقد فسَّرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف:"فَمْن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومَنْ كانت هجرته لدنيا يصيبها ، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه".
ثم يقول الحق سبحانه: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت ...} .
يعني: إنْ كنتم ستقولون - وقد قالوا بالفعل - ليس لنا في المدينة دار ولا عقار ، وليس لنا فيها مصادر رزق ، وكيف نترك أولادنا وبيئتنا التي نعيش فيها ، فاعلموا أنكم ولا بُدَّ مفارقون هذا كله ، فإنْ لم تُفارقوها وأنتم أحياء فسوف تفارقونها بالموت ؛ لأن {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت ...} [العنكبوت: 57] .
ومَنْ يدريكم لعلكم تعودون إلى بلدكم مرة أخرى ، كما قال الله لرسوله: {إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن لَرَآدُّكَ إلى مَعَادٍ ...} [القصص: 85] .
وعلى فَرْض أنكم لن تعودوا إليها فلن يُضيركم شيء ؛ لأنكم لا بُدَّ مفارقوها بالموت . وكأن الحق - تبارك وتعالى - يخفف عنهم ما يلاقونه من مفارقة الأهل والوطن والمال والأولاد .