ولا شك أن المصلى الصادق في مناجاته ينتهي بصلاته عن المعاصي صغيرها وكبيرها، وينعم برعاية الله ويفوز برضاه حيث خشع لها قلبه، ورغبت فيها نفسه، وظهرت على جوارحه هيبتها، حتى إذا قاربه الفتور أظلته صلاة أُخرى يترجع فيها إلى أفضل حاله.
وإذا كنا نرى كثيرا من المرتكبين للفحشاء والمنكر يصلون ولا ينتهون عن ذلك فهذا ليس ناشئًا عن الصلاة، بل عن غفلة المصلى عن حقوق الصلاة، فمن كانت صلاته دائرة حول الإجزاء لا خشوع فيها ولا تفكُّر ولا فضائل، فتلك تترك صاحبها من منزلته حيث كان، فإن كان في طريقه معاص تبعده من الله - تعالى - تركته يتمادى في بعده، بمعنى أنها لا تقربه
إلى الله، حيث لم تنهه عنها، وعلى هذا يخرج الحديث المروي عن ابن مسعود وابن عباس وهو:"في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصى الله - تعالى - فمن لم تأمره صلاته بالمعروف، ولم تنهه عن المنكر، لم يزدد بصلاته من الله إلاَّ بعدا".
وقيل لابن مسعود: إن فلانا كثير الصلاة. فقال: (إنها لا تنفع إلاَّ من أطاعها، وطاعة الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) وكأنه أراد بالصلاة التي تطاع وتنهى عن ذلك الصلاة الخاشعة المقبولة، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن عن عمران بن حصين قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قول الله - تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} قال:"من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له"بمعنى: أنها لم تؤت ثمرتها، كما في الصلاة التي تؤدي مع الغفلة التامة، والإخلال بما يليق بها، وهذه الصلاة تلف كما يلف الثوب الخلق ويرمى بها وجه صاحبها فتقول له: ضيعك الله كما ضيعتنى، كما جاء في السنة.
وبالجملة، فإن الصلاة تنهى من واظب عليها، وأقبل بقلبه فيها على ربه، فإنها تنتهي بصاحبها إلى صلاح الحال وحسن المآل، ويشير إلى هذا ما أخرج أحمد وابن حبان والبيهقي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن فلانا يصلى بالليل، فإذا أصبح سرق، قال:"سينهاه ما تقول".