قال صاحب النظم: قوله: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ} لا يقال إلا لرجل قد كان جرى له ذكر في موضع بخير أو شر، فهو إعلام من الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - أنه أجرى ذكرَه في هذا الموضع لمعنى؛ إلا أنه غير موقوف على حقيقته، فلما قال: {وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ} دل ذلك على أنه قد عهد إلى قوم موسى عهودًا، فلما طال عليهم العمر نسوها، وتركوا الوفاء بها، وطول العهد والعمر ينسي العهودَ والوفاءَ بها، ألا ترى أن موسى لما عاتب قومه في اتخاذ العجل قال لهم: {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ} [طه: 86] ، وذكرَ الله - عز وجل - في مواضع ما عهدَه إلى قوم موسى في التوراة من الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ، فلم يحتمل أن يكون هذا الذي أُومِئَ إليه في هذا الموضع إلا العهد الذي ذكره في مواضع، فالذي خلص من تأويل هذا الفصل على ما درجنا: أنه - عز وجل - ذكر امتنانه على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - أنه لما بعث موسى نبيًا ورسولًا إلى فرعون، أعلمه في ذلك الوقت أنه يبعث من ولد إسماعيل نبيًا، وأنه أخذ بعد ذلك على أمته عهدًا أن يؤمنوا به، وأن العلة في كفرهم به بعد أخذ العهد إنشاؤه منهم قرنًا بعد قرن، فتطاول العمر عليهم حتى نسوا ذلك، وتهاونوا به فلم يؤمنوا.
وقوله: {وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا} أي: مقيمًا في أهل مدين، كمقام موسى وشعيب فيهم {تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} تذكرهم بالوعد والوعيد.
قال مقاتل: يقول لم تشهد أهلَ مدين فتقرأ على أهل مكة خبرَهم {وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} أرسلناك إلى أهل مكة، وأنزلنا عليك هذه الأخبار، ولولا ذلك لما علمتها.
قال أبو إسحاق: المعنى أنك لم تشاهد قصص الأنبياء، ولا تُليت عليك، ولكنا أوحيناها إليك، وقصصناها عليك.