والضمير في منها عائد على ما أنزل على موسى، وعلى محمد صلى الله عليهما وسلم، وتعليق إتيانهم بشرط الصدق أمر متحقق متيقن، أنه لا يكون ولا يمكن صدقهم، كما أنه لا يمكن أن يأتوا بكتاب من عند الله يكون أهدى من الكتابين.
ويجوز أن يراد بالشرط التهكم بهم.
وقرأ زيد بن علي: أتبعه، برفع العين الاستئناف، أي أنا أتبعه.
{فإن لم يستجيبوا لك} ، قال ابن عباس: يريد فإن لم يؤمنوا بما جئت به من الحجج، ولم يمكنهم أن يأتوا بكتاب هو أفضل، والاستجابة تقتضي دعاء، وهو (صلى الله عليه وسلم) يدعو دائماً إلى الإيمان، أي فإن لم يستجيبوا لك بعدما وضح لهم من المعجزات التي تضمنها كتابك الذي أنزل، أو يكون قوله: {فأتوا بكتاب} ، هو الدعاء إذ هو طلب منهم ودعاء لهم بأن يأتوا به.
ومعلوم أنهم لا يستجيبون لأن يأتوا بكتاب من عند الله، فاعلم أنه ليس لهم إلا اتباع هوى مجرد، لا اتباع دليل.
واستجاب: بمعنى أجاب، ويعدى للداعي باللام ودونها، كما قال: {فاستجاب له ربه} {فاستجبنا له ووهبنا له يحيى} {فإن لم يستجيبوا لكم} وقال الشاعر:
فلم يستجبه عند ذاك مجيب ...
فعداه بغير لام.
وقال الزمخشري: هذا الفعل يتعدى إلى الدعاء وإلى الداعي باللام، ويحذف الدعاء إذا عدى إلى الداعي في الغالب، فيقال: استجاب الله دعاءه، واستجاب له، فلا يكاد يقال استجاب له دعاءه.
وأما البيت فمعناه: فلم يستجب دعاء، على حذف المضاف. انتهى.
{ومن أضل} : أي لا أحد أضل، و {بغير هدى} : في موضع الحال، وهذا الحال قيد في اتباع الهوى، لأنه قد يتبع الإنسان ما يهواه، ويكون ذلك الذي يهواه فيه هدى من الله، لأن الأهواء كلها تنقسم إلى ما يكون فيه هدى وما لا يكون فيه هدى، فلذلك قيد بهذه الحال.
وقال الزمخشري: يعني مخذولاً مخلى بينه وبين هواه.
انتهى، وهو على طريق الاعتزال. انتهى انتهى. {البحر المحيط حـ 7 صـ}